
فايز أبو عيد
يعيش مئات العائلات الفلسطينية التي ما تزال في شمال سورية واقعًا إنسانيًا شديد القسوة، بعد أكثر من عشر سنوات على تهجيرهم القسري من مخيماتهم في اليرموك وخان الشيح وحندرات وجنوب دمشق وريفها، من دون أن تلوح في الأفق حلول حقيقية تُنهي حالة النزوح المزدوج التي وجدوا أنفسهم فيها منذ عام 2016. فهؤلاء اللاجئون، الذين انتقلوا من مخيمات فلسطينية إلى خيام مؤقتة في الشمال السوري، باتوا خارج حسابات الاستجابة الإنسانية الدولية، وفي مقدمتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”.
وتُقدَّر أعداد الفلسطينيين المتبقين في شمال سورية ببضع مئات من العائلات، موزعين على مخيمات عشوائية وتجمعات صغيرة إلى جانب نازحين سوريين، في ظروف معيشية تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الاستقرار، وسط بنية تحتية هشة، وغياب فرص العمل، وانعدام أي أفق واضح للعودة. ويؤكد كثيرون منهم أن العودة إلى مخيماتهم الأصلية لا تزال شبه مستحيلة، إما بسبب الدمار الواسع الذي لحق بالمنازل، أو نتيجة العجز المادي عن تحمّل تكاليف الإيجار أو إعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، تتصاعد انتقادات المهجّرين الفلسطينيين لأداء الأونروا، متهمين الوكالة بالتقصير والتخلي عن مسؤولياتها خلال سنوات الحرب.
ويقول لاجئون في الشمال السوري إن الوكالة قطعت عنهم معظم الخدمات الأساسية، من إغاثة وصحة وتعليم، معتبرين أن تعاملها جاء على خلفيات سياسية، حيث جرى تصنيفهم ضمن مناطق خارجة عن سيطرة النظام، ما حرمهم فعليًا من حقوقهم كلاجئين فلسطينيين.
ومع سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، علّق كثير من الفلسطينيين آمالًا على تغيير في سياسة الأونروا تجاههم، إلا أن تلك الآمال سرعان ما تبددت، إذ اقتصرت استجابة الوكالة، وفق شهادات متطابقة، على تقديم مساعدة مالية واحدة فقط، من دون استئناف الخدمات أو تعويض سنوات الحرمان الطويلة. وفي الوقت نفسه، عاد بعض الفلسطينيين إلى مخيماتهم المدمّرة، واضطروا للسكن بالإيجار في ظل غياب أي برامج دعم مستدامة، فيما بقي آخرون في الشمال لعجزهم عن تأمين كلفة العودة أو إيجاد مسكن بديل.
ويصف أحد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في مخيم شمالي وضعهم بالقول إن حياتهم معلّقة فلا هم قادرون على العودة، ولا هناك جهة تعترف بهم كلاجئين فلسطينيين لهم حقوق واضحة، مضيفًا أن الفلسطينيين في الشمال باتوا خارج خطط الاستجابة الإنسانية الخاصة بالسوريين، وفي الوقت نفسه غائبين عن برامج الأونروا.
ويرى حقوقيون أن هذا الواقع يضع الفلسطينيين المهجّرين في الشمال السوري في منطقة رمادية خطيرة، حيث تتقاطع هشاشة اللجوء مع غياب التمثيل والحماية، ويتحوّل النزوح من حالة طارئة إلى نمط حياة دائم. ويحذّر متابعون من أن استمرار هذا الإهمال يكرّس فقرًا طويل الأمد، ويهدد بضياع جيل كامل حُرم من التعليم المنتظم والرعاية الصحية والاستقرار الاجتماعي.
وفي ظل غياب مقاربة واضحة من الأونروا والمنظمات الدولية، يطالب فلسطينيون في الشمال السوري بإعادة إدراجهم ضمن خطط الاستجابة الإنسانية، وضمان حقهم في الخدمات الأساسية أسوة بباقي اللاجئين الفلسطينيين في سورية.
وبين خيام لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، ومخيمات مدمّرة لم تعد صالحة للحياة، يبقى هؤلاء اللاجئون عالقين في انتظار دور غائب، وسؤال مفتوح: إلى متى يبقى فلسطينيو الشمال السوري خارج دائرة الاهتمام.
