
لا يزال ملف المعتقلين والمفقودين الفلسطينيين في سورية يشكّل أحد أكثر الملفات الحقوقية تعقيدًا، في ظل استمرار الغموض حول مصير مئات الحالات، وتباين الأرقام بين الجهات الرسمية ومنظمات التوثيق المستقلة.
ووفق إحصاءات حقوقية صادرة عن مؤسسات أهلية تعنى بمتابعة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، فقد تم توثيق مئات حالات الاعتقال منذ عام 2011، إضافة إلى عشرات حالات الوفاة تحت التعذيب، بينما لا يزال عدد كبير من المعتقلين في عداد المفقودين قسرًا.
ويؤكد حقوقيون أن الفلسطينيين في سورية خضعوا لظروف مشابهة لما تعرض له سوريون من اعتقالات تعسفية واختفاء قسري، مع خصوصية مرتبطة بوضعهم كلاجئين، ما زاد من هشاشة أوضاعهم القانونية والاجتماعية. ويشدد خبراء قانونيون على أن الحق في معرفة الحقيقة هو حق أصيل لعائلات الضحايا، وأن الكشف عن المصير يمثل التزامًا قانونيًا لا يسقط بالتقادم.
في هذا السياق، يلعب الإعلام دورًا محوريًا في توثيق الانتهاكات ومنع تغييبها عن الذاكرة العامة. ويقول الصحفي الفلسطيني حازم عوض مراسل تلفزيون سورية، الذي غطّى قضايا الاعتقال لسنوات، إن “التحدي الأكبر كان الوصول إلى المعلومات في بيئة يسودها الخوف”، مضيفًا أن كثيرًا من العائلات كانت تتردد في الحديث خشية التعرض لمزيد من الضغوط.
ويرى أن نشر القصص الفردية بأسمائها وصورها يعيد للمعتقل إنسانيته، ويمنع اختزاله في رقم ضمن تقرير.
وترى الإعلامية رؤى شبانة، العاملة في قناتي الحدث والعربية، أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من التناول العاطفي للقضية إلى عمل مؤسسي منظم يقوم على أدوات رقمية فعالة. وتؤكد أهمية دعم أو إنشاء منصات إلكترونية متخصصة تتولى جمع البيانات الشخصية للمفقودين بشكل دقيق، بما يشمل الاسم الكامل، وتاريخ الميلاد، ومكان الفقدان، والظروف المحيطة بالحالة، ضمن قاعدة بيانات موحدة وآمنة.
وتشدد شبانة على ضرورة توثيق شهادات العائلات والأصدقاء بتقنيات تصوير عالية الجودة تحفظ الرواية الإنسانية كما هي، وتضمن إمكانية استخدامها لاحقًا في تقارير حقوقية أو مسارات قانونية. كما تقترح إنتاج محتوى بصري قصير مخصص لوسائل التواصل الاجتماعي، بحيث يروي كل مقطع قصة مفقود واحد خلال دقيقة أو دقيقتين، بما يعزز وصول القضية إلى جمهور أوسع بلغة مؤثرة ومباشرة.
وتدعو كذلك إلى تنظيم معارض فنية، سواء افتراضية أو على أرض الواقع، تُعرض فيها صور المفقودين وقصصهم ضمن منهجية مهنية تراعي الخصوصية وكرامة الضحايا. وترى أن توثيق هذه الملفات بشكل احترافي يتيح تقديمها إلى منظمات دولية محايدة معنية بحالات الاختفاء القسري، بما يعزز فرص إدراجها ضمن آليات المساءلة الدولية.
وتلفت شبانة إلى أهمية استثمار “اليوم العالمي للمخفيين قسرًا” في 30 أغسطس، كفرصة سنوية لتسليط الضوء على قضية الفلسطينيين المفقودين في سورية، عبر إصدار بيانات وتقارير احترافية مترجمة إلى عدة لغات، تضع القضية في إطارها الحقوقي الدولي وتضمن استمرار حضورها في الأجندة الإعلامية والحقوقية العالمية.
فيما يعتبر الإعلامي عدنان علي أن مسألة المعتقلين والمختفين قسرا في سجون النظام السوري السابق واحدة من القضايا الحساسة التي تمس آلاف العائلات الفلسطينية، كما السورية، وما زالت تمثل جرحا غائرا لدى المجتمع الفلسطيني في سورية.
ومع سقوط النظام البائد لم تتكشف سوى القليل من المعلومات حول مصير آلاف المعتقلين الفلسطينيين الذين لا توجد أدلة حول ما اذا كانوا أحياء أم متوفين، لكن مع الأسف الاستنتاجات المنطقية تغلب انهم لم يعودوا على قيد الحياة بشكل عام، ولا يعرف أين تم دفن جثثهم من بين مئات المقابر الجماعية التي خلفها النظام المجرم.
وللإعلام والمنظمات الحقوقية دور رئيسي في التوثيق الدقيق للملاحقات القضائية أو التعويضات للضحايا خصوصا مع تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وهيئة المفقودين في سورية. ويتجلى دور الاعلام خصوصا في مواصلة طرح هذه القضية أمام السلطات المحلية والدولية وأمام الرأي العام حتى تبقى حية الى حين الكشف الناجز عن مصير الضحايا وظروف وفاتهم والتأكد من محاسبة الجناة وفق برامج العدالة الانتقالية التي تتضمن أيضا التعويض على الضحايا ماديا ومعنويا، واتخاذا ما يلزم من إجراءات لعدم تكرار ما حدث.
ولا شك أن للإعلام الدور الأساسي في مواصلة وضع هذه القضية على طاولة الاهتمام بوصفها جزء لا يتجزأ من العدالة الانتقالية، والتي هي بدورها جزء أساسي من التحول السياسي في البلاد، بحيث لا يمكن ان تكون هناك مصالحة وطني واستقرار سياسي دون عدالة انتقالية.
من جهته، يوضح الكاتب والإعلامي أوس أبو عطايا أن وسائل الإعلام المستقلة لعبت دورًا في كسر الصمت، خاصة عبر التقارير الاستقصائية والأفلام الوثائقية التي تناولت شهادات ناجين وأهالي معتقلين.
ويضيف أن المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في إيصال القضية إلى جمهور أوسع، متجاوزة القيود المفروضة على الإعلام التقليدي.
ويرى مختصون أن دور الإعلام لا يقتصر على النشر، بل يمتد إلى أرشفة المواد، وحفظ الشهادات، وبناء قاعدة بيانات رقمية تسهم في توثيق الذاكرة الجماعية. كما يؤكدون أن استمرار التغطية يمنع “تطبيع” الانتهاك أو التعامل معه كأمر واقع، ويُبقي الضغط قائمًا من أجل المساءلة.
أما الصحفي محمد نجمة شدّد على أن ملف المعتقلين الفلسطينيين في سورية قضية إنسانية ووطنية لا يجوز إهمالها أو تغييبها، لأنها ترتبط بسنوات طويلة من الاعتقال خلال حقبة نظام بشار الأسد، حيث استشهد عدد من المعتقلين داخل السجون نتيجة التعذيب والظروف القاسية واللاإنسانية، فيما لم يُفرج عن آخرين إلا بعد سقوط النظام، بعدما أمضوا أعواماً من أعمارهم خلف القضبان ودفعوا أثماناً باهظة نفسياً وجسدياً.
وأكد أن دور الإعلام محوري في هذا السياق، ليس فقط في نقل الأرقام والإحصاءات، بل في إبقاء البعد الإنساني للقضية حاضراً في الوعي العام، عبر تسليط الضوء على معاناة المعتقلين السابقين، وآلام عائلات الشهداء والمفقودين، وحق الأهالي في معرفة الحقيقة كاملة دون مواربة.
وأضاف أن الفلسطينيين السوريين كانوا جزءاً أصيلاً من المجتمع السوري، وشارك كثير منهم في الثورة السورية، ودفعوا ثمناً كبيراً من الاعتقال والتهجير والقتل، مثلهم مثل بقية السوريين، لذلك لا يمكن فصل قضية المعتقلين الفلسطينيين عن السياق العام لما جرى في سورية، فهي جزء من معاناة مشتركة ومسار طويل من المطالبة بالحرية والكرامة.
وأردف نجمة أن تراجع الاهتمام الإعلامي بهذا الملف يعني عملياً تراجع الضغط الحقوقي والمعنوي، وتحويل المأساة إلى مجرد أرقام في تقارير عابرة، بينما يشكل الاستمرار في التغطية المهنية الرصينة، وتوثيق الانتهاكات، وإبراز شهادات الناجين وأصوات العائلات، إسهاماً حقيقياً في حماية الذاكرة ومنع طيّ الصفحة دون مساءلة أو عدالة.
وختم بالقول إن إبقاء قضية المعتقلين حيّة في الإعلام هو أقل واجب أخلاقي تجاه من استشهدوا في المعتقلات، وتجاه من خرجوا مثقلين بآثار التجربة، وتجاه عائلات ما زالت تنتظر معرفة مصير أحبّتها.
من جهته نوه الإعلامي السوري نضال العيسى إلى أن التغطية المهنية لقضية المعتقلين تتطلب توازنًا بين البعد الإنساني والدقة القانونية. وتقول إن “أي خطأ في نقل المعلومة قد يضر بالعائلة أو بالقضية نفسها”، مشددة على أهمية التحقق من المصادر، والتنسيق مع جهات التوثيق المعتمدة قبل النشر.
واستطرد العيسى أن “تحويل أسماء المعتقلين إلى أرقام يفقدهم إنسانيتهم”، مشددة على أهمية السرد الفردي وتوثيق القصص الشخصية للعائلات، باعتبار ذلك وسيلة لحماية الذاكرة من النسيان أو التسييس. وترى أن الإعلام المستقل يتحمل مسؤولية إبقاء هذا الملف حاضرًا في الوعي العام، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي.
ختاماً يمكن القول، يواجه الإعلاميون تحديات كبيرة، من بينها صعوبة الوصول إلى المعلومات الرسمية، ومخاطر العمل في بيئة غير آمنة، إضافة إلى الضغوط السياسية والتمويل المحدود للمؤسسات المستقلة. ومع ذلك، يصرّ كثيرون على أن الحفاظ على هذا الملف في دائرة الضوء هو واجب مهني وأخلاقي.
في المحصلة، يشكل الإعلام أحد أهم أدوات حماية ذاكرة المعتقلين الفلسطينيين في سورية، عبر توثيق قصصهم، ونقل معاناة عائلاتهم، والمطالبة المستمرة بكشف الحقيقة. وبينما يبقى المسار القانوني أساس العدالة، فإن الكلمة والصورة والتحقيق الصحفي تظل عناصر حاسمة في إبقاء القضية حيّة، ومنعها من الغياب في زحمة التحولات السياسية.
