موقع الإعلامي فايز أبو عيد

بين الربوة والمزة… حكاية الفلسطينيين في دُمّر ودوما

فايز أبو عيد

على امتداد الجغرافيا المحيطة بدمشق، تتقاطع حكايات الفلسطينيين بين أحياء العاصمة وضواحيها وريفها القريب، في مسار يتأرجح بين الاستقرار المؤقت والنزوح المتكرر.

من دُمّر في أقصى غرب دمشق، بين الربوة والمزة، وصولاً إلى مدينة دوما في الغوطة الشرقية، تتشكّل صورة مركّبة لتجربة فلسطينيي سورية خارج المخيمات، حيث الاندماج الاجتماعي لا يحمي من الهشاشة، وحيث الحرب أعادت تعريف المكان والانتماء معًا.

في دُمّر، التي يُقدّر عدد سكانها اليوم ما بين 80 و100 ألف نسمة، شكّل الفلسطينيون قبل عام 2011 نسبة محدودة عدديًا، لكنها حاضرة في النسيج الاجتماعي للمنطقة. وتشير تقديرات محلية إلى أنّ عدد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فيها تراوح بين 5 و8 آلاف شخص، معظمهم من عائلات استقرّت في المنطقة منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بعد نكبة 1948، بحثًا عن سكن قريب من العاصمة وخارج إطار المخيمات.

 ومع اندلاع الأحداث في سورية، تحوّلت دُمّر إلى مقصد جديد لفلسطينيين نازحين من مخيمات اليرموك وسبينة والحسينية، ما جعل عددهم في تغيّر دائم، تبعًا للظروف الأمنية والاقتصادية.

هذا الوجود الفلسطيني اتّسم بعدم الاستقرار، إذ اعتمدت الغالبية على السكن بالإيجار، ما فرض حركة تنقّل مستمرة بين الأبنية والأحياء، وكرّس شعورًا دائمًا بالهشاشة، ويعكس ذلك واقعًا أوسع يعيشه اللاجئون الفلسطينيون في دمشق، حيث لم يعد الاستقرار مفهومًا ثابتًا، بل حالة مؤقتة قابلة للانهيار مع أي تحوّل أمني أو معيشي.

 في حين لم تكن دُمّر بمنأى عن التوترات، إذ شهدت خلال السنوات الماضية حوادث عنف تركت أثرًا عميقًا في ذاكرة سكانها، من بينها إعدام مختار الحي علنًا بعد اتهامه بالتعاون مع النظام السابق، إضافة إلى قصف جوي إسرائيلي استهدف مواقع في مشروع دُمّر السكني، ما زاد من حالة القلق في واحدة من أكثر ضواحي دمشق اكتظاظًا.

على الطرف الآخر من المشهد، تبرز مدينة دوما في الغوطة الشرقية بوصفها واحدة من أكبر حواضن الوجود الفلسطيني خارج المخيمات في سورية. فقبل عام 2011، قُدّر عدد سكان دوما بأكثر من 300 ألف نسمة، كان الفلسطينيون منهم نحو 25 ألفًا حتى عام 2012، أي ما يقارب ربع سكان المدينة. وتعود الغالبية العظمى من فلسطينيي دوما إلى مدينة صفد في الجليل الأعلى، من عائلات مثل الخضراء، سويد، منور، أبو خلف، الشعبي، شما، مراد، سعد الدين، السلطي، عباسي، والقزّة، إلى جانب نسبة معتبرة من اللاجئين القادمين من طيرة حيفا، من عائلات عمورة، إدريس، جربوع، أبو حسان، العمرين، الأبطح، شمبور، البطل، وطه. كما استقرّت في المدينة أعداد أقل من عائلات فلسطينية أخرى، من عكا وبلد الشيخ وصفد، وعائلات ذات أصول بدوية، ما منح التجمع الفلسطيني في دوما تنوّعًا واضحًا.

انتشر الفلسطينيون في مختلف أحياء المدينة، ولا سيما في منطقتي بتوانة الشرقية وبتوانة الغربية قرب كورنيش دوما، إضافة إلى أحياء الحجارية ومساكن دوما، وارتبط وجودهم بحياة المدينة اليومية، من دون أن يشكّلوا تجمعًا معزولًا. ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011، كانت دوما من أوائل المدن التي خرجت في الاحتجاجات، ومعها وجد الفلسطينيون أنفسهم في قلب الحراك، لا على هامشه. وبحكم حجمهم السكاني ودرجة اندماجهم، كان فلسطينيو دوما من أوائل الفلسطينيين الذين شاركوا في التظاهرات، وقدّموا، بحسب توصيف أبناء المدينة، “ضحايا بقدر حجم حضورهم”.

وتشير توثيقات محلية إلى أنّ عدد الشهداء الفلسطينيين في دوما وحدها بلغ نحو 85 شهيدًا، بينهم مسعفون، مثل محمد الخضراء المتطوّع في الهلال الأحمر السوري، وأفراد في صفوف الجيش الحر، وأطفال، من بينهم ياسين النابلسي، إضافة إلى عائلات كاملة تعرّضت للإعدام الميداني خلال اقتحام قوات النظام للمدينة في يونيو/حزيران 2012، من بينها عائلات أبو الرُب وعبد الوهاب وخليفة. كما سُجّلت أسماء شهداء فلسطينيين بارزين، من بينهم عامر إدريس، المولود في دوما والمنحدر من طيرة حيفا، والذي استشهد لاحقًا في مخيم اليرموك، وفوزية إدريس وزوجها سميح دياب، اللذان قُتلا في منزلهما في دوما عام 2012، إلى جانب ياسر جميل إدريس، وعدد من الضحايا الذين قضوا جراء الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية.

ولم تتوقف معاناة فلسطينيي دوما عند الشهادة، إذ طاولتهم حملات الاعتقال والاختفاء القسري. ويُعدّ نبيل إدريس، من مواليد 1960، أحد أبرز المعتقلين الفلسطينيين من أبناء المدينة، بعد اعتقاله عام 2013 من مقر عمله في شركة الغاز بدمشق، إلى جانب محمد عيد وآخرين لا يزال مصيرهم مجهولًا. وتؤكد إحصائيات مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية أنّ الاعتقال والاختفاء القسري شكّلا نمطًا واسع الانتشار بحق فلسطينيي دوما، كما في باقي المناطق السورية.

بين دُمّر ودوما، تتقاطع التجربتان في الخلاصة ذاتها: فلسطينيون خارج المخيمات، اندمجوا في محيطهم الاجتماعي، لكنهم ظلّوا عرضة لهشاشة مضاعفة، دفعتهم الحرب إلى النزوح مرة أخرى، وأفقدتهم ما تبقى من استقرار. ومع تراجع أعداد الفلسطينيين في دوما بشكل كبير بعد عام 2012، وخروج معظمهم إلى مناطق أخرى داخل سورية أو إلى خارجها، تبقى المدينة، كما دُمّر، شاهدتين على مرحلة مفصلية في تاريخ فلسطينيي سورية، حيث تحوّل المكان من مساحة عيش إلى ذاكرة مثقلة بالفقد، وما زالت آثارها مفتوحة حتى اليوم.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *