
وصل فلسطينيو سورية في لبنان إلى أقل ما يقال عنه الحضيض ونقطة اللاعودة، فحياتهم اليوم باتت تتأرجح على حافة الهاوية، في انسداد الأفق ومستقبل مظلم مجهول لا بصيص لشعاع نور ينقذهم مما هم فيه.
فمنذ مغادرتهم من سورية هربًا من الحرب التي اندلعت عام 2011، وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع لبناني منهك اقتصاديًا، تتقاطع فيه الأزمات المالية مع الانهيار شبه الكامل في الخدمات الأساسية، وما زاد الطين بلة استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ما جعلهم عرضة للهشاشة داخل مجتمع يعاني بدوره من أزمات غير مسبوقة.
فيما تتفاقم معاناتهم بسبب النزاعات الإقليمية، ولا سيما القصف الإسرائيلي المتكرر على بعض المناطق اللبنانية، الذي يضاعف من الخوف واليأس ويجبر كثيرين على النزوح الداخلي من مخيماتهم إلى أماكن أكثر أمانًا، رغم صعوبات الإيواء المحدودة.
أرقام تكشف عمق الأزمة
تشير أحدث تقارير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلى أن 93% من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعيشون تحت خط الفقر، وهي نسبة تعكس عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تضرب المخيمات والتجمعات الفلسطينية.
أما اللاجئون الفلسطينيون القادمون من سورية فيقدَّر عددهم بنحو 23 ألف لاجئ موزعين على المناطق اللبنانية الخمس، مع تمركز واضح في مخيمات بيروت وصيدا وطرابلس والبقاع وصور، غالبيتهم يعتمدون بشكل كبير على المساعدات النقدية والغذائية، ويواجهون تقييدات قانونية تمنعهم من العمل في كثير من المهن، ما يزيد من صعوبة الحصول على دخل مستدام.
أثر القصف الإسرائيلي على المدنيين
القصف الإسرائيلي الأخير لمناطق لبنانية عدة أدى إلى نزوح داخلي جديد للفلسطينيين السوريين، حيث اضطر العديد منهم إلى ترك مساكنهم المؤقتة في المخيمات أو في المناطق المحيطة، بحثًا عن أمان مؤقت في أماكن مكتظة أخرى.
تقول أم محمد، من أبناء مخيم درعا مقيمة في مخيم شاتيلا: “لم يكن كافيًا أن نترك سورية، الآن نحن نعيش خوفًا جديدًا من القصف، اضطررنا للنزوح مرة أخرى داخل لبنان، وغالبًا نجد أنفسنا في غرف أصغر، مع عدد أكبر من الناس، وبلا أي دعم إضافي.”
ويضيف خالد، الذي نزح مؤخراً من مدينة صور إلى مخيم نهر البارد، وهو من أبناء مخيم اليرموك: “القصف يجعلنا نشعر أننا دائمًا لا نملك مكانًا آمنًا، كل نزوح داخلي يكلفنا مالًا ووقتًا وجهدًا كبيرًا، أصبح كل يوم تحديًا جديدًا للبقاء على قيد الحياة.”
إحصائيات وأرقام
يرى الناشط الفلسطيني السوري رامي منصور، من أبناء مخيم اليرموك والمقيم حاليًا في مخيم برج البراجنة، أن المدنيين هم الخاسر الأكبر من هذه الحروب، إذ يعانون من مأساة مضاعفة بين النزوح وفقدان الأمن والأمان. وأكد أن مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية وثقت ارتقاء 14 لاجئًا فلسطينيًا سوريًا خلال الفترة من سبتمبر إلى ديسمبر 2024، نتيجة الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مناطق مختلفة في لبنان.
من بين الضحايا، عائلة كاملة مكونة من ستة أفراد، بينهم طفلتان، قضوا يوم 29 سبتمبر 2024 إثر قصف منزلهم في مدينة صيدا جنوبي لبنان، وهم: محمد جلال المرضعة، وزوجته آمال المرضعة، وابنهما جلال، وابنتيهما رهام وملاك، وحفيدتهما نهال. كما فقدت أرواح أخرى في غارات الطيران الحربي الإسرائيلي في مدن بعلبك والبقاع وبيروت، وهم: عبد الله حسين إبراهيم، عمر زكريا مصطفى، حسين ساري، واللاجئة زينب إبراهيم عزوز، ما يسلط الضوء على المعاناة المتفاقمة التي يواجهها فلسطينيو سورية في لبنان جراء النزاعات المستمرة.
أزمات متداخلة تضاعف الهشاشة
مع استمرار الانهيار المالي في لبنان، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف الاستشفاء، تتضاعف معاناة اللاجئين الفلسطينيين السوريين الذين يضطرون إلى التنقل الداخلي بسبب القصف أو المخاطر الأمنية. البنية التحتية في المخيمات غير كافية لاستيعاب النزوح الجديد، والكهرباء والمياه محدودة، ويزداد الضغط على الدعم الغذائي والمساعدات النقدية المقدمة من الأونروا، التي تواجه بدورها نقصًا في التمويل. تحذر المنظمات الإنسانية من أن استمرار هذه الأزمات قد يدفع آلاف العائلات إلى ما دون خط الفقر المدقع ويزيد من معدلات التسرب المدرسي وعمالة الأطفال.
جيل مؤجل الأحلام
تروي ريم، شابة فلسطينية سورية، تجربتها بعد أن أُجبرت على ترك دراستها الجامعية بسبب النزوح الداخلي وصعوبات المعيشة: “القصف والنزوح مرة أخرى جعل أحلامنا تتلاشى. كثير من صديقاتي وأصدقائي توقفوا عن الدراسة، ولا يمكننا التخطيط للمستقبل ونحن لا نعرف أين سنكون غدًا.”
يبقى فلسطينيو سورية في لبنان الذين يبحثون عن بارقة أمل تعيد له شعور الأمان والكرامة، يتأرجون على حافة الهاوية، ويعيشون على هامش الهامش، بين نزوح قديم من سورية، ونزوح داخلي متكرر داخل لبنان بسبب القصف الإسرائيلي، وواقع لبناني مأزوم لا يوفر لهم سوى أماكن ضيقة للعيش.
