
تعد مدينة نوى في محافظة درعا واحدة من أكبر المدن السورية من حيث الكثافة السكانية، حيث يتجاوز عدد سكانها 120 ألف نسمة، بينهم حوالي 2000 فلسطيني يعيشون في الحارة الشرقية لنوى.
وعلى الرغم من كونهم أقلية، إلا أن الفلسطينيين في نوى لعبوا دورا محوريا في الحياة الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية للمدينة، حيث اندمجوا مع المجتمع السوري في نسيج واحد، متحدين في مواجهة التحديات.
العائلات الفلسطينية في نوى
وفقًا لأهالي المنطقة، فإن العائلات الفلسطينية في نوى تنحدر من أصول تعود إلى النكبة الفلسطينية عام 1948، واستقرت في المدينة لاحقا، ومن أبرز هذه العائلات:
عائلة الطيب: هي من العائلات المعروفة بالتميز الأكاديمي والمهني، ومن أبرز أبنائها: الدكتور وليد الطيب، طبيب أسنان متخصص في علاج اللثة وزراعة الأسنان، وحاصل على جائزة التميز من الأكاديمية الأمريكية لليزر عام 2019، وهو أول عربي يحقق هذا الإنجاز.
وهناك الدكتور محمد الطيب: طبيب آخر من العائلة ذو سمعة طيبة في المجال الطبي.
وعائلة الخطيب، من العائلات المعروفة بنشاطها الاجتماعي والتعليمي.
أما عائلة المطير فقد كان لها حضور بارز في المجالين التجاري والزراعي، إضافة إلى عوائل أخرى منها عائلة البرقاوي
نوى مدينة العلم والهجرة
اشتهرت نوى بكثرة مدارسها ومعاهدها الشرعية والمهنية، مما جعلها مركزا تعليميا يخرج الأطباء والمهندسين والعلماء، كما أنها من أوائل المدن السورية التي شهدت هجرة كبيرة إلى أوروبا، خاصة بعد الأزمة السورية، حيث هاجر العديد من أبنائها، بمن فيهم فلسطينيو نوى، بحثا عن مستقبل أفضل.
لكن هذه المدينة لم تسلم من المعاناة، فقد تعرضت للقصف المتكرر بسبب موقعها الاستراتيجي القريب من الجولان المحتل، واحتوائها على منشآت عسكرية مثل اللواء 112 واللواء 61، مما جعلها هدفا للنظام وللقوات الإسرائيلية.
التحديات التي تواجه فلسطينيي نوى
أزمة الكهرباء
يعاني سكان نوى، بما في ذلك الفلسطينيون، من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، حيث يعتمدون على نظام 5 ساعات قطع، نصف ساعة وصل، لكن التيار ينقطع غالبا بعد دقائق بسبب نظام الحماية الترددية، وتتهم الأهالي شركة الكهرباء ببيع الطاقة للمعامل على حساب المواطنين، مما أدى إلى انتشار معامل الثلج التي تستفيد من الأزمة.
نقص المياه وانهيار البنية التحتية
أدى القصف العشوائي خلال الحرب إلى تدمير شبكات المياه، مما دفع السكان إلى حفر الآبار بشكل عشوائي، مما زاد من أزمة المياه، ويستفيد أهالي نوى وما جاورها من قرى من سد الجبيلية الذي بات يرتبط في ذاكرة السوريين والفلسطينيين بأول صدام دموي تشهده سورية بعد تحررها من المحتل الصهيوني، فقد استشهد فيه تسعة من أبناء المدينة، بينهم فلسطينيون، أثناء تصديهم للقوات الإسرائيلية التي حاولت التوغل في المنطقة.
الأوضاع السكنية والصحية
يعاني العائدون إلى نوى من صعوبة إيجاد مساكن بعد تحرر سورية وعودة أهاليها إليها، حيث تصل إيجارات المنازل إلى ما يزيد عن 100دولار شهريا، وهو مبلغ باهظ في ظل الأزمات الاقتصادية، أما المستشفى الوطني فيعاني من نقص حاد في الأدوية والكوادر الطبية، بينما تبقى خدمات المستشفيات الخاصة باهظة التكلفة.
غياب مدارس الأونروا رغم الحاجة
رغم وجود جالية فلسطينية كبيرة، لا توجد مدارس تتبع وكالة الأونروا، مما يزيد العبء على الأهالي في تأمين التعليم لأبنائهم، ومع ذلك فنوى تشتهر بكثرة مدارسها فلا تكاد تسير بضعة أمتار حتى تلقى قبالتك مدرسة، فالمتعلم لا يخرج من نوى إلا للدراسة في الجامعة، حتى المدارس المهنية والشرعية تحضر بقوة، ولذلك تشتهر نوى بكثرة مثقفيها وروادها في شتى المجالات.
الإبداع الفلسطيني في نوى رغم التحديات
1. الدكتور وليد الطيب رائد طب الأسنان بالليزر
يعد الدكتور وليد الطيب، أحد أبرز أبناء نوى الفلسطينيين، حيث حقق إنجازات عالمية في مجال طب الأسنان بالليزر، منها:
– أول عربي يحصل على جائزة التميز من الأكاديمية الأمريكية لليزر (2019).
– مؤسس برامج الزمالة الدولية في طب الأسنان بالليزر.
– محاضر في جامعات إيطاليا والولايات المتحدة.
– رئيس لجنة العلاقات الدولية في الأكاديمية الأمريكية لليزر.
يقول الدكتور وليد في إحدى مقابلاته:
“نوى علمتني أن الإبداع لا يتوقف عند الحدود، وأن التحديات لا تقتل الأحلام، بل تصنع منها قصص نجاح.”
2. الفيلسوف أحمد نسيم البرقاوي: حكاية حب مع نوى
يكفي أن تفتح الانترنت وتبحث عن هذا العلم الفلسطيني لتكتشف أنك أمام قامة عظيمة تقف أمامها بكل إكبار واعتزاز.
ورغم أن الفيلسوف أحمد البرقاوي وهو فلسطيني من طولكرم، لم يولد في نوى، إلا أن ارتباطه بها كان عميقا بسبب والدته بديعة بسطامي، التي كانت أول مديرة فلسطينية لمدرسة في نوى بعد النكبة، وقد عاش البرقاوي جزءا من طفولته في المدينة، وظل يذكرها في كتاباته ومنشوراته، مثلما كتب في مناسبة عيد الثورة السورية:
إلى حوران أرض المحبة… كانت والدتي تردد دائما:
على اليرموك قف واقر السلاما…
وكلّمه إذا فهم الكلاما…
وقل يا نهر هل هاجتك ذكرى
شجت قلبي وحركت الغراما
ويذكر أحد سكان نوى، يدعى أبو جاسم، قائلا: “رحم الله والدة الدكتور أحمد برقاوي، كانت تدرس والدي عندما كان طالبا… وكان يحمل أحمد على ظهره ويلعب معه.”
وقد كان لنوى تأثير على فكر البرقاوي، فقد ظهر في كتابات البرقاوي تأثره بذاكرة نوى وحوران، حيث يربط بين التراث الفلسطيني والسوري في تحليلاته الفلسفية، منها قصة مقام النووي في نوى، كانت قرية نوى قرية كبيرة وهادئة، يتميز أهلها بذهنية قروية سنية تحكمها تقاليد وعادات راسخة، ومن بين معتقداتهم أن مقام محيي الدين النووي (وهو عالم دين صوفي مشهور) يحميهم من الأخطار.
عندما اندلعت حرب 1967، كان أهل القرية مطمئنين، يعتقدون أن بركات المقام ستحميهم من القصف الإسرائيلي، وأن الطيارين الإسرائيليين إذا حاولوا قصف القرية، فسيَرَوْنها كـبحر ولن يتمكنوا من استهدافها.
ومرت الأيام الخمسة الأولى من الحرب بسلام، لكن في اليوم السادس، قصف الإسرائيليون القرية، فاكتشف الأهالي أن المقامات الدينية لا تحميهم من القصف. كانت هذه صدمة لهم، إذ تبين أن الاعتقاد في الحماية الغيبية ليس بديلاً عن الواقع.
نوى وفلسطين دم واحد وجرح مشترك
لطالما أظهرت نوى تضامنها مع فلسطين، حيث خرجت مظاهرات ضد العدوان الإسرائيلي، خاصة أثناء مسيرة ” اسمها فلسطين” التي نددت بالاحتلال، كما أن استشهاد فلسطينيين من نوى في معركة سد الجبيلية ضد التوغل الإسرائيلي يؤكد أن دماء السوريين والفلسطينيين تسيل من أجل نفس القضية.
يقول أحد الشباب الذين شاركوا في التصدي للقوات الإسرائيلية:
“نوى قالت للاحتلال: الدم الذي نزفه أبناء غزة هو نفسه دمنا… لن نسمح لك باجتياح أرضنا.”
