موقع الإعلامي فايز أبو عيد

مآلات الحرب في سورية وتأثيرها في تشتت النخب الفلسطينية

فايز أبو عيد

هل ضاعت وتشتتت النخب الثقافية الفلسطينية جراء الحرب في سورية؟ وما هو دور مختلف القوى والمؤسسات الفلسطينية المتواجدة فوق الأرض السورية في هذا الضياع؟ وهل كان هذا الضياع متعمد من قبل عموم القوى والهيئات والمؤسسات الوطنية الفلسطينية لهذه النخب، بالرغم من تواجد معظم قيادات الفصائل في سوريا؟

أسئلة لابد من اثارتها وطرحها لمعرفة انعكاس تجليات الحرب في سورية على النخب الثقافية الفلسطينية، التي تفرقت، وتشتت بعضها في أصقاع الأرض، فيما فضل من تبقى منهم الاعتكاف عن المساهمة بالعمل المجتمعي العام على المستويات المختلفة.

من نافل القول وبحسب بعض المثقفين الفلسطينيين السوريين إن الغياب العملي للمرجعيات الوطنية الفلسطينية عن لعب دورها المنشود في المجتمع الفلسطيني في سوريا في ظل الأزمة التي انفجرت، ووجود حالة من التباينات والاختلافات الفلسطينية الداخلية بشأن فهم وكيفية التعاطي مع الوضع الذي نشأ في ظروف الأزمة السورية، ساعد على ضياع الناس، وخاصة النخب الثقافية، والاجتماعية، وأصاب التمزق المجتمع الفلسطيني كله في سوريا، حيث ، لم يَعُد للنخب الفلسطينية في سوريا من مكان، فشعور الاغتراب مازال يعشعش في دواخلها بالرغم من سنوات الإقامة الطويلة في البلد، وقد تغذى هذا الشعور أكثر فأكثر مع سلوك العديد من الأطراف السورية المختلفة على الجانبين التي كالت الاتهامات للفلسطينيين بشأن مجريات الواقع السوري، وعليه غابت النخب الفلسطينية في سوريا : منها من هاجر وابتعد الى بلادٍ بعيدة، بهجراتٍ قسريةٍ، ينشد الخلاص الفردي والأسري، بعد أن اكتوى واتخمت ذاكرته بنكبة العام 1948، ومنها من انزوى الى بلادٍ قريبة كلبنان، ومنها القليل من اعتكف بعدما بقي في البلد، ينتظر انقشاع سحب الدخان والمعارك باتجاه الحل السياسي.

في حين رأى بعضهم الأخر أن هذا سؤال بحجم وطن، ووطن بحجم ألم، وألم كان يبحث عن أمل، هذه رؤية الأديب الذي يرى الآن في 2018 مآلات الحرب في سورية بين الثورة وتضادها، وبين الحرية واستلابها، هنا يكمن وضوح الرؤية من جهة وبين ضبابيتها من جهة أخرى لدى الأدباء والمثقفين والكتاب سواء ضاعوا أو تاهوا عن الطريق أو حادوا عن الرؤية السليمة التي تربوا عليها وتغنوا بها ورفعوا شعاراتها، خاصة أن أبناء فلسطين دون غيرهم هم الذين تجرعوا منذ مطلع القرن الماضي مرارات التهجير والظلم والاحتلال والقهر والقتل والاعتقال، وبالتالي كان من المقدر والمتوقع أن يكونوا أكثر الأدباء والمثقفين اقتراباً والتصاقاً بالمفاهيم الحقيقية للحرية والكرامة بعيداً عن سطوة الجلاد وبعيداً عن هيمنة الظالمين.

لقد كان للقوى والمؤسسات الفلسطينية المتواجدة على الأرض في سورية دور إيجابي وكبير في الحفاظ على الهوية الفلسطينية في الشتات، ولكن كان لها دور سلبي أيضا من خلال تأطير المبادرات الثقافية الفلسطينية وربطها بسقف العمل الفصائلي وبالتالي العمل دائماً على أن لا يحلق أحد أو تحلق مبادرة فوق سماء الفصائل وأعلى من هذا السقف.

إن من أكبر المآسي التي رافقت نكبة فلسطينيي سوريا، وتهجير أهالي مخيم اليرموك، وعدد أخر من المخيمات والتجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية، تمثّل بضياع النخب الفلسطينية في سوريا، النخب الثقافية والمتعلمة، والنخب ذات الحضور الأكاديمي، والنخب ذات الحضور الاجتماعي، والتي وجدت ذاتها في ظلِ وضعٍ صعب، ومألات قاسيةٍ، لم تُمكنها من أخذ دورها، أو المبادرة لتخفيف وقع الكارثة التي هبطت على عموم أبناء فلسطين في سوريا، نتيجة التشابكات والتداخلات الكبيرة التي أحاطت بها، ونتيجة التعقيدات التي لفّت ومازالت تَلِفُ الأزمة السورية التي استعرت بشكلٍ فاق كل تصور.

وأخيراً لابد لا يسعنا في نهاية المطاف إلا أن نردد ما قالته الروائية الفلسطينية نعمة خالد عن ضياع النخب الفلسطينية في سورية:”لطالما انتظرت أن يتوقف أحد القادة أمام جدار يريد أن ينقض على ما تبقى من أحلامنا ويتلو ما تيسر من سورة ياسين على الحكاية التي كنا نبنيها لنرويها للعالم.

لكن أحداً لم يقف، أحداً لم يسمع ابتهالات الأمهات، ابتهالات الحبر المسفوح كالدم على أرصفة المخيمات، لقد ضاعت النخب بالأنخاب، وتمزقت الحكاية قبل اكتمالها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *