
فايز أبو عيد
تتربع قرية الطبريات على هضبة مرتفعة في أقصى جنوب سورية، كجوهرة خضراء نادرة تلمع في محافظة درعا، على بعد أمتار قليلة فقط من الحدود الأردنية.
إنها أكثر من مجرد قرية؛ إنها قصة تلاحم بين الأرض والإنسان، وقصص نزوح وأمل، ونسيج اجتماعي فريد يجمع بين السوري الأصيل والفلسطيني الذي وجد فيها ملاذاً ووطناً ثانياً يحافظ فيه على تراثه وهوياته.
طبيعية أخّاذة وتاريخ عريق
تتميز الطبريات بموقعها الاستراتيجي المشرف مباشرة على الأراضي الأردنية، حيث يمكن للزائر رؤية البيوت والطرق الأردنية بالعين المجردة، بل والاستماع إلى أذان المساجد هناك كما لو كان داخل الأراضي الأردنية نفسها.
هذا القرب الجغرافي الفريد منح القرية طابعاً مميزاً، يشعر فيه الزائر وكأنه في نقطة التقاء بين عالمين.
أما طبيعتها فتبهج الناظرين؛ فهي كثيفة الأشجار، خصبة التربة، وتتفجر فيها الينابيع، مما جعلها من أجمل قرى حوران.
أخبرنا أحد مزارعي القرية أن تربة هذه القرية ومناخها المعتدل منحاها قدرة على استيعاب زراعات متنوعة، من الزيتون والعنب والرمان والتين إلى الحمضيات التي جربها المزارعون الفلسطينيون بنجاح، إضافة إلى محاصيل الخضراوات التي حققت للقرية اكتفاءً ذاتياً، مثل البندورة والخيار والملفوف والباذنجان.
نسيج اجتماعي فريد
يقدر عدد سكان القرية اليوم بحوالي 1500 نسمة، جميعهم يعملون في الزراعة وتربية الماشية، وهي المهنة التي شكلت قاسماً مشتركاً وجسراً للتواصل بين جميع الأهالي.
ويشكل الفلسطينيون جزءا مهما من هذا المجتمع، إذ يتشكل النسيج السكاني في الطبريات من خليط عائلي يعود بأصوله إلى جذور سورية وفلسطينية متشابكة، فمن الجانب السوري، تنحدر أصول العائلات من عشائر محافظة القنيطرة العريقة، من عشيرتي الخوالد والنعيم، بالإضافة إلى عائلات قدمت من بلدة طفس المجاورة.
أما القلب الفلسطيني النابض في الطبريات، فيمثله أحفاد الذين نزحوا من ديارهم الأصلية في فلسطين، وتحديداً من قرية وادي حُنَين قضاء الرملة، ومن أبرز العائلات الفلسطينية المؤسسة في القرية:
عائلة الربيعي، وهي من العائلات الرائدة في القرية، وقد برز منها عدد كبير من الكفاءات.
وهناك عائلة العوضي، وهي الأخرى عائلة فلسطينية قدمت من وادي حنين وشاركت في بناء المجتمع الجديد، وهناك عوائل أخرى كعائلة العيسى وشتان والظاهر، إضافة لعوائل أخرى قدمت من مختلف المناطق السورية بحثا عم ملاذ من الحرب السورية التي ما إن توقفت رحاها حتى عادوا إلى مناطقهم.
شخصيات فلسطينية
بفضل حرص أهالي طبريا على التعليم كوسيلة للارتقاء، أنجبت هذه القرية الصغيرة عدداً كبيراً من المبدعين الذين برزوا في مجالات علمية وحياتية متنوعة، تاركين إرثاً غنياً من العطاء.
ومن أبرز هؤلاء:
– الطبيب عبد الرحمن الربيعي: رائد في مجال الطب.
– المهندس الدكتور يوسف خليل الربيعي: من الكفاءات الهندسية المتميزة.
– المحامي بلال عطية العوضي: ممن برزوا في المجال القانوني.
– الأستاذ فؤاد أحمد الربيعي: أحد كبار المعلمين والمؤرخين للقرية.
– الصيدلانية رنا فايز الربيعي: ممثلة عن الكفاءات النسائية المتميزة في المجال الصحي.
التحديات والخدمات
تعيش الطبريات حياة بسيطة، وتفتقر إلى العديد من الخدمات الأساسية التي تتوفر في المدن الكبرى:
كالتعليم، إذ توجد في القرية مدرسة ابتدائية مختلطة واحدة تم افتتاحها في عام 1995، أما في مراحل التعليم الإعدادي والثانوي، فيضطر الطلاب إلى التوجه إلى مدارس البلدات المجاورة مثل تل شهاب.
وفي مجال الصحة، فلا يوجد في القرية أي مركز صحي أو عيادة طبيب دائمة، بل توجد صيدلية واحدة فقط، في حالات المرض، يضطر الأهالي إلى التوجه إلى مدينة طفس أو إلى مشافي مدينة درعا، مما يشكل عبئاً كبيراً.
أما المواصلات، قاعد مشكلة النقل من التحديات الكبرى، حيث يعتمد العديد من السكان على الدراجات النارية للتنقل داخل القرية وخارجها، ولعل السبب هو عزلة هذه القرية
وهي بحق أشبه بقرية المزيرعة في حوض اليرموك والتي قمنا بإعداد تقرير مسبق عنها.
قصة نزوح
في زقاق من أزقة القرية، تقع دكان متواضع يملكه رجل فلسطيني يدعى محمد العيسى، قصة محمد هي جزء من القصة الجماعية للشتات الفلسطيني، فهو من سكان مخيم درعا، وأصوله تعود إلى قرية عين غزال في قضاء حيفا الفلسطينية.
اضطر محمد لترك منطقته بسبب ظروف قاسية، ليجد في هدوء الطبريات وألفتها ملاذاً آمناً.
افتتح دكانه الصغير بجوار المدرسة، ليس فقط لكسب الرزق، بل ليكون نقطة التقاء وتواصل لأهالي القرية، يتبادلون عنده أطراف الحديث وأخبار اليوم.
دكان محمد هو شاهد حي على كيفية تحول الطبريات إلى ملتقى للفلسطينيين من مختلف المناطق، حيث ما زالوا يحافظون على لكنتهم الفلسطينية المميزة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، وينقلون ذكرياتهم عن ثمار أراضيهم في فلسطين.
هدوء لا يعكره صخب
ما يميز الطبريات أكثر من أي شيء آخر هو الهدوء الساحر الذي يلفها، فبعد عام 2018، استقرت الأوضاع الأمنية فيها بشكل كبير، مما جعلها واحة أمان وسلام، هذا الهدوء، جاء مقترناً بالمناظر الخلابة والخضرة التي تحيط بالقرية من كل مكان، جعلها في الماضي مقصداً للعديد من السوريين من المناطق الغربية الباحثين عن قسط من الراحة والاستجمام، وكانت أشبه بمصطاف لأهالي المنطقة.
عندما يزورها المرء اليوم، يصاب بالدهشة للتناقض الصارخ؛ ففي الوقت الذي حل الدمار في العديد من القرى المجاورة، تظهر الطبريات كواحة غناء صامدة.
وقوفك هناك على التلة، مع سماع الأذان القادم من المساجد الاردنية القريبة جداً، ومشاهدة الجنود على الحدود، ومنظر الخضرة والبساطة التي تحيط بك، هو تجربة فريدة تظل عالقة في الذهن، تجربة تروي قصة الفلسطيني في هذا المكان الصغير على خط التماس.
