موقع الإعلامي فايز أبو عيد

ليسوا مجرد راحلين. مثقفون فلسطينيون غيّبهم عام 2025 وبقي أثرهم

فايز أبو عيد 

في عامٍ مثقلٍ بالخسارات، لم تكن وداعات 2025 عابرةً في الذاكرة الثقافية الفلسطينية في سورية؛ بل كان الرحيل هذه المرة أشبه بانطفاء مصابيح قديمة أضاءت دروباً طويلة من الإبداع، ورافقت أجيالاً في الفن والكلمة والفكر، قبل أن تترجل بصمتٍ تاركةً فراغاً يصعب ملؤه.

خمسة أسماء فلسطينية بارزة غابت عن المشهد، لكنها لم تغب عن الذاكرة؛ إذ بقيت أعمالها شاهدةً على زمنٍ قاوم النسيان بالثقافة.

الكاتب والمخرج هاني السعدي

في الخامس عشر من شباط/ فبراير، أُسدل الستار على مسيرة الكاتب والمخرج هاني السعدي، أحد أعمدة الدراما العربية، الذي رحل عن 81 عاماً بعد صراعٍ مع المرض. لم يكن السعدي مجرد كاتب سيناريو، بل صانع عوالم درامية متكاملة، عرف كيف يمسك بخيوط التاريخ والبادية والأسطورة الشعبية، ويحوّلها إلى حكايات مشوّقة شدّت المشاهد العربي لعقود.

وُلد السعدي عام 1944، وبدأ مشواره الفني في أواخر الستينيات ممثلاً قبل أن يتجه إلى الكتابة، ليصنع لنفسه اسماً بارزاً في مجال السيناريو التلفزيوني. كانت انطلاقته التمثيلية الأولى في فيلم “بوابة الغزلان” عام 1969، إلى جانب سميرة توفيق وناجي جبر وياسين بقوش، واستمر لاحقاً في تقديم أدوارٍ تمثيلية في عدة أعمال درامية وسينمائية حتى عام 2002.

إلى جانب التمثيل، برع السعدي في كتابة السيناريو، مقدماً العديد من الأعمال الدرامية البارزة التي حققت شهرة واسعة، منها: “حارة نسيها الزمن”، “دائرة النار”، “قانون الغاب”، “غضب الصحراء”، “الكواسر”، و”آخر الفرسان”.

تميزت  هذه الأعمال بسردها المشوّق وحبكتها المتينة التي جذبت المشاهدين، وعُرف عنه  براعته في المسلسلات التاريخية والبدوية التي جسد فيها صراع القوى والمؤامرات  بأسلوب يجمع بين التشويق والدراما.

الفنان أديب قدورة

في أيار/ مايو، غاب الفنان أديب قدورة، الذي بدا حضوره دائماً أكبر من الشاشة. القادم من “ترشيحا” الفلسطينية إلى حلب، شق طريقه من التعليم والفن التشكيلي إلى التمثيل، ليصبح واحداً من رموز السينما والمسرح في سورية.

   وُلد أديب قدورة في الأول من تموز/ يوليو 1948 في بلدة ترشيحا، قبل أن تستقر عائلته في مدينة حلب. بدأ حياته المهنية مدرساً للفن التشكيلي، ثم انتقل إلى العمل في  تصميم الديكور والمكياج المسرحي، قبل أن يكتشف موهبته التمثيلية المخرج نبيل المالح، الذي قدمه لأول مرة في فيلم “الفهد” (1972)، والذي أصبح علامة فارقة في  تاريخ السينما السورية.

   شارك قدورة في أكثر من 60 عملاً تلفزيونياً و37 فيلماً سينمائياً. لم تكن أدواره في “الفهد” و”بقايا صور” وغيرها مجرد تمثيل، بل تعبيراً كثيفاً عن الإنسان المقهور والمتمرّد معاً. يُعتبر قدورة أحد مؤسسي نقابة الفنانين السوريين، وقد حاز خمس جوائز عالمية تقديراً لأدائه المتميز، ولم يكن لقبه “أنتوني كوين العرب” مجاملة، بل توصيفاً   لقوة حضورٍ نادرة جعلته أيقونة فنية.

الكاتب والصحافي علي سعيد بدوان

في دمشق، وتحديداً يوم الأحد الأول من حزيران/ يونيو، توقف قلم علي سعيد بدوان، الكاتب والصحافي والمحلل السياسي، عن عمر ناهز 66 عاماً. وهو الذي حمل همّ فلسطين على الورق كما حمله يوماً في الميدان.

ابن مخيم اليرموك، الذي جمع بين التجربة النضالية والتحليل الهادئ، كرّس قلمه لتوثيق الذاكرة الفلسطينية في سورية، وقراءة مسارات الفصائل واللاجئين بلغة تجمع بين البحث والشهادة.

وُلد بدوان في مخيم اليرموك عام 1959 لأسرة تنحدر من مدينة حيفا لجأت إلى سوريا إبان النكبة. درس في مدارس “الأونروا”، وحصل على بكالوريوس في العلوم الأساسية (فيزياء وكيمياء) من جامعة دمشق، ودبلوم في التربية والعلوم السياسية، وشهادة في العلوم العسكرية.

انخرط في العمل السياسي منذ عام 1974 مع الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وشغل مناصب قيادية، وكان من الفدائيين الذين واجهوا القوات الإسرائيلية خلال اجتياح لبنان عام 1982، حيث أُصيب إصابة بالغة استلزمت زراعة كبد في الصين لاحقاً.

تفرغ للكتابة والأبحاث بعد مغادرته العمل الفصائلي عام 2003، وشغل منصب مدير مكتب الإعلام لمنظمة التحرير الفلسطينية في دمشق. له مؤلفات  هامة أرّخت لتاريخ اليسار الفلسطيني، وقضية اللاجئين، وهضبة الجولان. تميزت كتاباته بالجمع بين التحليل السياسي والتوثيق التاريخي، مسلطاً الضوء على معاناة فلسطينيي الشتات، ولا سيما في سورية.

المربي والباحث السياسي حمد موعد

أما في برلين، فكان الرحيل صامتاً لكنه ثقيل الأثر؛ إذ غادر المربي والباحث السياسي حمد موعد الحياة عن عمر ناهز 78 عاماً، بعد مسيرة طويلة قضاها في التعليم والبحث. لم يكن مجرد مدرّس، بل معلّم أجيال، وباحثاً عميقاً في بنية العقل الصهيوني وسوسيولوجيا المخيم. رحل وهو يحمل في ذاكرته “صفورية” و”اليرموك” معاً.

  وُلد الفقيد عام 1947 في قرية صفورية (قضاء الناصرة)، وحصل على إجازة في الأدب الإنجليزي من جامعة دمشق عام 1970. امتدت مسيرته التربوية لعقود في  مدارس درعا وثانوية اليرموك بدمشق.

 إلى جانب دوره التربوي، كان باحثاً سياسياً غزير الإنتاج، ومن أبرز مؤلفاته: “حرب المياه في الشرق الأوسط” (1990)، “تشكيل العقل الصهيوني” (1992)،  و”سوسيولوجيا المخيم” (2003). سعت كتبه وأبحاثه دائماً لفهم الصراع لا لتبسيطه، ولتفكيك الرواية الإسرائيلية بشكل علمي ومنهجي.

الشاعر صالح هواري

وقبل أن يكتمل العام، أُغلقت صفحة شعرية أخرى يوم الثلاثاء 25 تشرين الثاني/ نوفمبر برحيل الشاعر صالح هواري عن عمر ناهز 87 عاماً. القادم من “سمخ” على ضفاف طبريا، ظل وفياً للقصيدة حتى سنواته الأخيرة، كاتباً للشعر بوصفه فعل مقاومة وجدانية.

وُلد هواري في سمخ عام 1938، ونزح إلى سوريا عام 1948. حاز إجازة في الأدب العربي من جامعة دمشق وأخرى في الحقوق. عمل في سلك التعليم بمدارس “الأونروا” حتى عام 1990، ليتفرغ بعدها للكتابة.

بدأ نظم الشعر في سن الرابعة عشرة، وأصدر ديوانه الأول “الدم يورق زيتوناً” عام  1972، لتتوالى أعماله التي بلغت اثني عشر ديواناً، جمع فيها بين القصيدة العمودية   وقصيدة التفعيلة. نال جوائز عديدة، منها: جائزة جامعة دمشق عامي 1961 و1963، وجائزة القدس في بيروت عام 2010، وجائزة أفضل ديوان شعري  للأطفال في أبو ظبي عام 2000.

بدا المشهد الثقافي الفلسطيني في سورية عام 2025 وكأنه يشيّع جزءاً من تاريخه  الحي، لكنه في الوقت ذاته يعيد التذكير بحقيقة راسخة: أن الثقافة، مهما فقدت من  روّادها، تظل قادرة على البقاء بما تركوه من أثر، وبما زرعوه في الوعي من أسئلة  ومعانٍ لا تموت.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *