
فايز أبو عيد
في قلب محافظة القنيطرة السورية، حيث تطوق التلال والأراضي الحدودية، تقع قرية البصالي.
إنها أكبر تجمع فلسطيني في المحافظة، تختزل في أزقتها ووجوه أهلها قصة شعب رفض أن يُمحى، حاملاً معه جذوره من بيسان في فلسطين، وتحديداً من “كفر مصر”، ليغرسها من جديد في أرض الجولان السورية.

عائلات متحدرة من جد واحد:
بحسب البحث الشامل الذي أجراه الأستاذ رفعت عواد (وهو باحث ومدرس اللغة الإنجليزية من أهالي القرية)، فإن سكان البصّالي، إلى جانب قريتي “أم اللوقس” و”عين القاضي”، يشكلون نسيجاً اجتماعياً متماسكاً يعود في جذوره إلى جد واحد.
وهذا النسيج يتفرع إلى خمس عائلات أو “حمايل” رئيسية، أبرزها: العواد، والخضر، والعودات (الذين يحملون في هوياتهم اسم “عبد الله” إلا أنهم متعارف عليهم باسم العودات). هذه القرابة الواحدة هي الدرع الاجتماعي الذي يحمي المجتمع من عوامل التشظي والتشتت.

رحلة المعرفة الشاقة
لا تمتلك البصالي سوى مدرسة ابتدائية واحدة، هي “مدرسة البصالي للتعليم الأساسي”، التي تضم ما بين 170 إلى 180 طالباً، 99% منهم من أبناء العائلات الفلسطينية. الكادر التدريسي مكون من مدير فلسطيني من أبناء القرية، وإثنين من المعلمين ومعلمة فلسطينيين أيضاً، بينما يكمل العدد معلمون سوريون من القرى المجاورة.
وتعد المرحلتان الإعدادية والثانوية، بمثابة رحلة المحنة اليومية، فطلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية مضطرون لقطع مسافة 3.5 كيلومتر يومياً للوصول إلى مدارس في قريتي “المعلقة” أو “صيدا”. يؤكد الأستاذ رفعت عواد، الذي يدرّس اللغة الإنجليزية في ثانوية صيدا، على مشقة هذه الرحلة، التي يجبرها أحياناً سيراً على الأقدام في ظل ظروف مناخية قاسية، خاصة في فصل الشتاء.

نتائج كارثية: الأمية وهجرة العقول:
أدت صعوبة المواصلات وعدم وجود مدارس ثانوية إلى عزوف الكثير من الطلاب عن إكمال تعليمهم، مما ساهم في ارتفاع معدلات الأمية بشكل لافت.
يوضح الأستاذ رفعت عواد أن الثقافة المجتمعية تتجه نحو تشجيع الطالب غير المتفوق على العمل في الزراعة أو الهجرة إلى لبنان للعمل، بدلاً من الاستثمار في تعليمه، أو العمل بالثروة الحيوانية، هذا التهميش التعليمي انعكس سلباً على نسبة حاملي الشهادات العليا.
فالأستاذ رفعت هو أحد القلائل جداً في القرية الحاصل على شهادة عليا. كما شهدت القرية “هجرة للأدمغة”، حيث هاجر العديد من أبنائها المتعلمين إلى مدن مثل درعا (حي المنشية) ودمشق.
ومن أبرز هؤلاء الدكتور أمين جاسم عواد، الذي تخرج الأول على دفعته في روسيا، وتخصص في أمراض القلب وأصبح مديراً لمشفى الباسل في حلب، قبل أن يتوفى في مخيم اليرموك بدمشق عام 2011.

واحة خضراء:
تمتاز البصالي بثروة مائية جوفية استثنائية، حيث تحتوي على 22 بئراً، على عكس القرى المجاورة التي تعاني من شح حاد في المياه.
هذه النعمة حولت القرية إلى واحة خضراء، ووفرت فرص عمل كبيرة في مجال الزراعة، مما أكسبها شهرة واسعة بمواسمها الزراعية الوفيرة، رغم هذه النعمة، تعاني القرية من حرمان صادم في خدمات أساسية:
الصرف الصحي: لا يوجد أي نظام للصرف الصحي، في حين أن القرى السورية المجاورة مثل صيدا والمعلقة تتمتع بهذه الخدمة.
الخدمات الصحية: لا توجد أي نقطة طبية أو حتى صيدلية في القرية. وفي الحالات الطارئة، يضطر الأهالي إلى قطع مسافة 40 كم إلى مشفى نوى في درعا، أو أكثر من 90 كم إلى دمشق.
الخدمات التجارية: تخلو القرية من الدكاكين أو المحلات التجارية الصغيرة، مما يزيد من معاناة السكان.

الأونروا: غياب وتهميش
يؤكد الأستاذ رفعت عواد أن آخر زيارة قامت بها الأونروا للقرية كانت قبل أكثر من 15 عاماً، حيث كانت تقدم خدمة طبية لمدة ساعتين كل يوم ثلاثاء. ومنذ اندلاع الأزمة السورية، توقف أي تواجد للمنظمة الدولية، رغم أن القرية تشكل أكبر تجمع فلسطيني في المحافظة.
تمييز صارخ
قبل أسابيع، تعرضت القرى الحدودية، بما فيها البصالي، لاعتداءات من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي تبعد قرابة كيلومتر واحد غرب القرية. وتدخّل الصليب الأحمر لتقديم تعويضات للمتضررين، بدفعة أولى قدرها 150 دولار.
لكن الفلسطينيين تم استثناؤهم بشكل متعمد من هذه التعويضات، تحت ذريعة أن “الأونروا هي المسؤولة عنهم”. وعندما توجه الأهالي للأونروا، أنكرت وجود أي مشروع تعويض للقرى الحدودية من الفلسطينيين.
هذا التمييز أثار غضباً عارماً وتساؤلات مشروعة حول نزاهة عمل هذه المنظمات الدولية، التي يفترض أن تتعامل مع جميع المتضررين كبشر دون تمييز، ودعا الأهالي إلى المطالبة بضرورة التزام هذه المنظمات بميثاق الأمم المتحدة.

الاحتلال على الجدار
يتبع الاحتلال الإسرائيلي، الذي يفصل بينه وبين القرية طريق عام فقط، سياسة ذكية تتراوح بين الترهيب والاستمالة. فمنذ ثلاثة أشهر، قام باعتقال شخصين من القرية ثم أطلق سراحهما.
وفي أحيان أخرى، يحاول تقديم بعض المعونات في محاولة لكسب ود الأهالي، الذين يرفضون بشكل قاطع أي تعاون مع “العدو الصهيوني” الذي كان السبب الأساسي في تشريدهم من أرض أجدادهم في فلسطين.

