
على بعد أمتار قليلة من خط وقف إطلاق النار لعام 1974، في الريف الشمالي الوعر لمحافظة القنيطرة، تقع قرية الحميدية، إحدى القرى السورية التي تعيش على تماسٍ يومي مع الاحتلال والقلق، يقطن القرية نحو ألف نسمة، يتقاسمون حياة مثقلة بذاكرة التدمير والتهجير، وواقعٍ لا يزال محكوماً بتهديد دائم مصدره الجغرافيا والحدود.

في هذا المكان الذي يقسمه الشريط الحدودي بين محتلّ ومحرّر، يبرز حضور فلسطيني متجذّر، يحمل ذاكرة النكبة ويقاوم التهميش بالصمود والتعليم.
يشكّل الفلسطينيون في الحميدية جزءاً أساسياً من نسيج القرية، ويُقدّر عددهم بنحو مئة شخص، تنتمي غالبيتهم إلى عائلة الحميدي، التي تعود جذورها إلى قرية طوبى في قضاء صفد، وينحدر أفرادها من عشيرة عرب اللهيب.
بعد نكبة عام 1948، استقرّت العائلة في بلدة المزيريب بمحافظة درعا، قبل أن تنتقل إلى الحميدية مطلع الألفية، إثر عملية استملاك طاولت حارتهم وتعويضهم عنها.
لم يكن الانتقال مجرد تغيير مكان، بل حلقة جديدة في سلسلة تنقّل فرضها التاريخ، ليجدوا أنفسهم هذه المرة على خط تماس مباشر مع الاحتلال.

إلى جانب عائلة الحميدي، تضم القرية عائلات فلسطينية أخرى، من بينها عائلتا العواد والخالد، وصلتا في موجات نزوح سابقة، ليشكّل الفلسطينيون مع السكان السوريين مجتمعاً صغيراً متماسكاً، تحكمه علاقات يومية فرضتها الزراعة والعمل المشترك وقسوة العيش على الحدود.
ويقول عدنان الحميدي، طبيب يعمل في مشفى خان أرنبة، إن العائلة ما زالت تحمل حكايات الأجداد عن أرضهم في طوبى، مضيفاً أن “الانتقال من المزيريب إلى الحميدية لم يلغِ الإحساس بالتهديد، لكنه عزّز الإصرار على البقاء، هنا يسكن بيت الجد الأحفاد، ونحاول بناء حياتنا رغم كل شيء”.

في مواجهة التهجير المتكرر، تحوّل التعليم لدى عائلة الحميدي إلى خيار استراتيجي ووسيلة مقاومة صامتة. فقد خرج من العائلة عدد لافت من المتخصصين، بينهم طبيبة نسائية، وأطباء يعملون في مشافي المنطقة، ومهندسون، وخريجون في التاريخ والإعلام والعلوم الزراعية والطب البيطري والجيولوجيا، إضافة إلى موظفين في القطاع العام وأعمال حرة.
هذا الحضور العلمي في قرية حدودية صغيرة يعكس قناعة راسخة لدى الفلسطينيين بأن التعليم هو الرهان الوحيد لمواجهة محاولات الطمس والتهميش، وبأنه الطريق الأوضح للحفاظ على الهوية والكرامة.

اقتصادياً، تعتمد الحميدية بشكل رئيسي على الزراعة، ولا سيما زراعة الحبوب مثل القمح والشعير، والبقوليات كالحمص والعدس. وتنتشر في القرية بئر عامة، إضافة إلى نحو سبعين بئراً يملكها الأهالي، تشكّل العمود الفقري للحياة الزراعية.
إلا أنّ هذا المصدر الأساسي للرزق يواجه تهديداً دائماً، نتيجة عمليات التجريف الإسرائيلية المتكررة للأراضي الزراعية القريبة من الشريط الحدودي، ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، ما ينعكس خنقاً تدريجياً للاقتصاد المحلي، ويضاعف من معاناة السكان.

على الصعيد الصحي، تفتقر القرية إلى خدمات متخصصة، رغم وجود مستوصف يقدم إسعافات أولية وخدمات محدودة، ويواجه المرضى، ولا سيما من يحتاجون إلى علاج متقدم أو عمليات جراحية، صعوبات كبيرة في الوصول إلى مستشفيات مدينة القنيطرة أو دمشق، بسبب بُعد المسافة وسوء الطرق وعدم استقرار الأوضاع الأمنية في بعض الفترات.
وتتفاقم هذه المعاناة مع ما يصفه الأهالي بمنع قوات الاحتلال دخول المساعدات الإغاثية والطبية في بعض الأحيان، ما يضع القرية في حالة حصار غير معلن يزيد من هشاشة الحياة اليومية.

ورغم صغر حجم الحميدية، تضم القرية مدرستين، واحدة للمرحلة الأساسية وأخرى للمراحل الإعدادية والثانوية، تشكّلان بالنسبة للأهالي أكثر من مجرد مؤسستين تعليميتين؛ هما مساحة أمل من أجل الخروج من ظلام الأمية، غير أن الانتقال إلى التعليم الجامعي يظل تحدياً كبيراً، إذ يضطر الطلاب إما إلى الالتحاق بفرع جامعة دمشق في القنيطرة، المحدود الاختصاصات، أو السفر إلى العاصمة دمشق عبر طرق طويلة ومكلفة وغير آمنة، ما يفرض أعباء مادية ونفسية ثقيلة على الأسر.
في الحميدية، تتكثف حكاية الفلسطينيين في سورية بكل تناقضاتها: تهجير قديم، واستقرار هش، واحتلال حاضر، لكن أيضاً إصرار على البقاء وبناء الحياة.
من طوبى إلى المزيريب ثم إلى هذه القرية الحدودية، يحمل الفلسطينيون ذاكرتهم معهم، ويزرعونها في أرض جديدة، مدركين أن الجغرافيا قد تُهدَّد، لكن التعليم والمعرفة يشكّلان مساحة لا يمكن تجريفها.

فاطمة، عدنان، هاجر، خالد، مريم، رياض وغيرهم من أبناء الحميدية، هم أجيال ترفض أن يكون مصيرها الدمار فقط. هم يبنون بأناملهم وعلمهم صروحاً من الأمل في مواجهة جرافات تحاول طمس الجغرافيا والتاريخ. في هذه القرية الحدودية، يكون الصمود اختياراً يومياً، والتعليم هو السلاح، والبقاء هو الانتصار.
هنا، على تخوم الجولان المحتل، يصبح الصمود ممارسة يومية، والتعليم هو السلاح، ويغدو البقاء والتمسك بالأرض بحد ذاته شكلاً من أشكال الانتصار.
