
لا يزال ملف المعتقلين والمفقودين الفلسطينيين في سورية واحدًا من أكثر القضايا إلحاحًا في سياق الانتهاكات المرتبطة بالنزاع المستمر منذ عام 2011. فبينما تتفاوت التقديرات بشأن أعدادهم، تؤكد توثيقات حقوقية مستقلة أن مئات اللاجئين الفلسطينيين تعرضوا للاعتقال والاختفاء القسري، وأن عددًا منهم قضى تحت التعذيب داخل مراكز الاحتجاز، في ظل غياب بيانات رسمية شاملة تكشف مصيرهم.
وتشير إحصاءات صادرة عن جهات توثيق أهلية إلى أن حالات الاعتقال شملت طيفًا واسعًا من اللاجئين، بينهم طلاب جامعيون، عاملون في المجال الإنساني، مسعفون، وناشطون إعلاميون. ويؤكد حقوقيون أن الطبيعة المزدوجة للوضع القانوني للفلسطينيين في سورية – بوصفهم لاجئين مسجلين لدى وكالة دولية وخاضعين في الوقت ذاته للقوانين المحلية – لم توفر لهم حماية إضافية، بل جعلتهم عرضة لانتهاكات مشابهة لما تعرض له سوريون، مع هشاشة قانونية مضاعفة.
الباحث الدكتور أحمد نسيم برقاوي

في هذا السياق، يقول المفكر والفيلسوف والباحث الدكتور أحمد نسيم برقاوي في حديثه لـ مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، في وداع مخيم اليرموك، واصفًا المخيم بوصفه «رصيف انتظار الفلسطيني»؛ صباحات فيروز ومساءات أم كلثوم، وازدحام الناس ليلة العيد على صوت “الست” وهي تغني: «الليلة عيد».
المخيم صباحات العيد، والأطفال المزركشون، والأراجيح، والأحصنة، وغزل البنات. المخيم صالات المحاضرات المسائية في مركز غسان كنفاني، ولقاء الأحبة صباح الجمعة.
لكنه أيضًا المخيم الذي عرف طرقات الليل الثقيلة، حين كانت الأبواب تُقرع لسؤال ساكنيها عن أسمائهم. المخيم الذي صار ملجأ الهاربين من جلادي النظام، وحكاية علي الشهابي الذي ما زال مُغيّبًا في أقبية السجون، ومئات من شباب الثورة الذين انقطعت أخبارهم، ولا يُعرف إلى أين قادهم القمع والاعتقال.
ويستحضر برقاوي حواره مع ابنته: «أيلجأ اللاجئ يا أبتي؟» فيجيب: «أجل يا ابنتي، يلجأ اللاجئ من موتٍ يتربص به، من خطرٍ يطل من فوهات البنادق، من سجنٍ يختبئ في تقارير المخبرين وسكّان الأقبية السوداء. لكن إلى أين؟ إلى نوافذ لا يُغلقها الخوف، إلى أبواب لا يقرعها عسس الليل، إلى لغة تستعيد صوتها، وإلى مدن لا تعرفنا ولا نعرفها… بانتظار العودة».
هذا الوداع المؤلم لم يكن مجرد سردٍ للذاكرة، بل شهادة على مأساة الفلسطينيين في سورية، وفي مقدمتها قضية المعتقلين الفلسطينيين الذين تقاطع مصيرهم مع مصير إخوانهم السوريين في السجون، حيث ما يزال الآلاف مفقودين أو مغيّبين قسرًا، في انتظار كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
ويضيف المفكر برقاوي، وهنا يبرز دور الفن التشكيلي بوصفه فعلًا مقاومًا للطمس والنسيان. فقد تحوّلت تجربة الاعتقال الفلسطيني في سورية إلى موضوع مركزي في أعمال العديد من الفنانين، الذين استعادوا المخيمات المدمّرة، ووجوه المغيّبين، وأسماء الغائبين، بلغة بصرية تحفظهم من الغياب الثاني: غياب الذاكرة. أصبحت القضبان والسلاسل المحطمة، وملامح الوجوه المرهقة، والعيون المتطلعة إلى الضوء، رموزًا تستحضر معاناة المعتقلين وتعيد طرح قضيتهم في الفضاء العام العربي والدولي.
مشدداً على أن الفن هنا لم يعد ترفًا جماليًا، بل أداة لإحياء قضية المعتقلين الفلسطينيين في سورية، وتثبيت حضورهم في الوعي الجمعي، ومساءلة العالم عن مصيرهم. فحين يُدمَّر المخيم، ويُغيَّب الإنسان، يبقى العمل الفني شاهدًا لا يُعتقل، وصوتًا لا يُصادر، وذاكرةً تقاوم الكذب والتزييف.
خاتماً حديثهن وهكذا، يتكامل النص الفكري مع العمل التشكيلي في بناء سردية مضادة للنسيان؛ سردية تقول إن اللاجئ ليس رقمًا عابرًا، وإن المعتقل ليس اسمًا في قائمة مفقودين، بل إنسان له وجه وبيت وذكريات، وأن الفن قادر على أن يمنح هذا الوجه حضوره الدائم، إلى أن تتحقق العدالة وتُفتح أبواب العودة.
الفنان التشكيلي محمد الركوعي

أكد الفنان التشكيلي محمد الركوعي أن الفن عبر تاريخ الأمم والشعوب كان دائمًا سجلًا حيًا لظواهر الجمال والتحولات الاجتماعية والثقافية في المجتمعات.
إلا أن الحالة الفلسطينية، بحسب ركوعي، منحت الفن دورًا يتجاوز التوثيق الجمالي إلى مسؤولية وطنية وثقافية عميقة.
وأوضح أن الفن في فلسطين أُوكلت إليه مهمة الدفاع عن التراث والموروث الشعبي، سواء من خلال اللغة التشكيلية التقليدية أو عبر أدوات الحداثة المعاصرة، في ظل صراع حضاري مع عدو سلب الأرض والبيت ويحاول طمس الهوية وسرقة التراث.
وأشار ركوعي إلى أن مهمة الفن لا تقتصر على الدفاع والحفاظ، بل تمتد إلى إنتاج خطاب فني متجدد يواكب لغة العصر، مع التمسك بالأصل والجذور الثقافية. فالتحديث، برأيه، لا يعني الانفصال عن الهوية، بل إعادة تقديمها برؤية معاصرة تعزز حضورها واستمراريتها.
كما شدد على أن الفن كان حاضرًا بقوة في الدفاع عن قضية الأسرى، من خلال أعمال فنية جسدت معاناتهم ومجّدت صمودهم الأسطوري، معتبرًا أن هذه الأعمال تمثل جزءًا من الذاكرة الوطنية والبصرية للشعب الفلسطيني.
واختتم تصريحه بالإشارة إلى أن إحدى لوحاته التي أنجزها داخل المعتقل تجسد هذا البعد الإنساني والوطني، مؤكّدًا أن التجربة الشخصية تتحول عبر الفن إلى رسالة أوسع، تعبّر عن الألم والأمل في آنٍ معًا.
الفنان التشكيلي غازي انعيم

على مدى خمسة وسبعين عامًا، شكّل الفن التشكيلي الفلسطيني فعلًا مقاومًا بامتياز، ووسيلةً فاعلة لفضح ممارسات الاحتلال وتوثيق جرائمه. فمنذ النكبة، مرورًا بكل المحطات المفصلية أكد الفنان التشكيلي الفلسطيني غازي انعيم أن الفن التشكيلي الفلسطيني شكّل على مدار أكثر من خمسة وسبعين عامًا أحد أهم أدوات المقاومة الثقافية، ووسيلة حيوية لفضح ممارسات الاحتلال وتوثيق جرائمه بحق الشعب الفلسطيني.
وأوضح انعيم أن الفن الفلسطيني، منذ النكبة وحتى اللحظة الراهنة، بما في ذلك حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، ظل شاهدًا حيًا على معاناة الفلسطينيين وصمودهم، حيث نقل الفنانون عبر اللوحة والخط واللون تفاصيل الألم اليومي، وساهموا في أرشفة الذاكرة الوطنية بصيغة بصرية قادرة على البقاء والتأثير عبر الأجيال.
وأشار إلى أن حقل الفنون التشكيلية تحوّل إلى منبر ثقافي موازٍ للمنابر السياسية والثورية، حيث نجح في نقل القضية الفلسطينية إلى العالم من منظور إنساني وتوثيقي. كما لعبت الرموز البصرية في اللوحات دورًا محوريًا في ترسيخ الهوية الوطنية، مثل البندقية، وعلم فلسطين، والكوفية، وشجرة الزيتون، والصبّار، والبرتقال، والمفتاح، إضافة إلى المساجد والكنائس والزخارف التطريزية التي تعكس عمق التراث الفلسطيني وارتباطه بحق العودة.
وفي ما يتعلق بقضية الأسرى، بيّن انعيم أن أعمال الفنانين الفلسطينيين في مجالات التصوير والملصق والنحت وثّقت معاناة المعتقلين داخل السجون الإسرائيلية، مجسّدة صراعهم مع السجّان وتوقهم الدائم إلى الحرية. وأضاف أن العديد من الرموز البصرية تحوّلت إلى أيقونات راسخة في الوجدان الفلسطيني، مثل القضبان الحديدية، والسلاسل المحطمة، والحمامة البيضاء، وقبضات الأيدي المرفوعة نحو الشمس، بما تحمله من دلالات على الحرية والأمل.
كما لفت إلى أن هذا التوثيق الفني لا يقتصر على معتقلي الداخل الفلسطيني، بل يمتد ليشمل معاناة المعتقلين الفلسطينيين في سورية، الذين واجهوا ظروف اعتقال قاسية في سياقات سياسية وأمنية معقدة، وتقاطعت معاناة الكثير منهم مع مصير إخوانهم السوريين في مواجهة القمع والسجن والفقدان. وقد انعكست هذه التجربة المؤلمة في أعمال عدد من الفنانين باعتبارها جزءًا من الذاكرة الفلسطينية المعاصرة المرتبطة بمحيطها العربي.
وختم انعيم تصريحه بالتأكيد على أن الفن التشكيلي الفلسطيني نجح في تحويل آلام المعتقلين — أينما وجدوا — إلى لغة بصرية إنسانية تخاطب الضمير العالمي، وتدافع عن قيم الحرية والكرامة، وتُسهم في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقه في الحياة والعدالة والعودة.
فنان الكاريكاتير هاني عباسي

بالنسبة لي، أقرأ تاريخ الشعوب والحضارات من خلال الفن، لا من خلال كتب التاريخ وحدها. أؤمن أن الفن بكل أشكاله — الرسم، النحت، الرواية، القصة، الموسيقى، والغناء — هو الانعكاس الحقيقي لروح التاريخ، إلى جانب العلوم والأثر المعرفي. إنه الأثر الأصلي الباقي، والمرآة التي تعكس وجدان الشعوب وتجاربها.
فنحن نتعرّف على الحضارة المصرية القديمة من خلال فنونها العظيمة التي وثّقت تلك الحقبة التاريخية، وينطبق الأمر ذاته على مختلف الحضارات عبر العصور. ومن هذا المنطلق، أستطيع القول إن الفنون التي أخذت على عاتقها توثيق اللحظة التاريخية الصعبة التي مرّت بها سوريا خلال حكم نظام الأسد، تمثل شهادة حية على تلك المرحلة.
بالنسبة لي، كان هناك مساران أساسيان عملت عليهما باهتمام بالغ:
الأول: مسار الثورة السورية وتطلعات الشعب نحو الحرية، والتخلص من الظلم والاستبداد.
أما الثاني، فكان ملف المعتقلين لدى النظام، وهو من أكثر الملفات حساسيةً وألمًا. نحن نتحدث عن مئات الآلاف الذين اعتُقلوا، ومئات الآلاف الذين قضوا تحت التعذيب. إنه ملف بالغ الصعوبة، لكنه في الوقت ذاته واجب أخلاقي وثوري.
أؤمن أن الفن يجب أن يكون صوتًا للمعتقلين وأهاليهم، وصورةً تُعرض أمام العالم، وصرخةً لا يجوز إسكاتها. لذلك كان — ولا يزال — هذا الملف في صميم عملي الفني، لأن الجرح ما زال مفتوحًا، والملف لم يُغلق بعد.
كما أن الفلسطينيين في سوريا دفعوا، شأنهم شأن الشعب السوري، أثمانًا باهظة نتيجة موقفهم الداعم للثورة. فقد دُمّرت مخيماتهم، وحوصرت أحياؤهم، واستشهد الآلاف من أبنائهم تحت القصف أو التجويع أو في المعتقلات، تمامًا كما حدث مع إخوتهم السوريين. ولا يزال آلاف المفقودين ينتظرون كشف مصيرهم، في ظل مسار العدالة الانتقالية الذي يُعدّ تحديد مصير المفقودين أحد أهم ركائزه، إلى جانب ملاحقة كل من ارتكب الجرائم بحق الشعب ومحاسبته.
المسرحي والصحفي بسام سفر

أكد بسام سفر أن اعتقاله الأول في يوم الأرض بتاريخ 30 آذار/مارس 1986، إثر مشاركته في تظاهرة انطلقت من شارع فلسطين، شكّل محطة مفصلية في مسيرته الإنسانية والثقافية، لافتًا إلى أن التجربة لم تكن شخصية فحسب، بل ارتبطت بوعي أعمق بقضية المعتقلين الفلسطينيين ودورهم النضالي.
وأوضح سفر أن سنوات الاعتقال، ولا سيما في سجن صيدنايا خلال أواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات، كشفت له حجم الحضور الثقافي والفكري للمعتقلين الفلسطينيين، الذين حافظوا على قضيتهم حيّة من خلال النقاشات والقراءة والعمل الإبداعي. وأضاف أن توفر الكتب والأنشطة الثقافية داخل المعتقل أتاح مساحة للحفاظ على الهوية الوطنية وصون الذاكرة الجماعية.
وأشار إلى أن الفن، ولا سيما المسرح والأدب، لعب دورًا أساسيًا في تعزيز الصمود، حيث جرى تقديم أعمال مسرحية مستوحاة من نصوص أدبية عربية، ما أسهم في تحويل المعتقل إلى فضاء للتعبير الثقافي والمقاومة المعنوية. واعتبر أن الإبداع في ظروف القيد كان رسالة واضحة بأن الثقافة قادرة على حماية الوعي الوطني من التآكل.
وختم بسام سفر تصريحه بالتأكيد على أن تجربة الاعتقال، رغم قسوتها، برهنت أن الفن ليس ترفًا، بل أداة للحفاظ على القضية الفلسطينية وتعزيز وحدة المعتقلين، وأن الإيمان بالحرية والعدالة يبقى حيًا ما دامت الكلمة والفكرة قادرتين على الاستمرار.
الفنان التشكيلي فتحي صالح
يؤكد الفنان التشكيلي فتحي صالح أن قضيّة المعتقلين الفلسطينيين في سورية ليست مجرّد أرقام في تقارير، بل حكايات إنسانية تختزن الألم والأمل معًا، وتستحق أن تُروى وتُحفظ في الذاكرة الجمعية.

في أعماله الأخيرة، ينساب اللون الأحمر القاني فوق عتمة اللوحة، كأنه دمٌ يشقّ طريقه في فضاء مثقل بالصمت، بينما يتسلل نورٌ خافت من خلف القضبان، في إشارة رمزية إلى أملٍ لا ينطفئ. تتجسد في هذه اللوحات أجسادٌ نحيلة أنهكها القهر، ووجوهٌ شاحبة حفرتها المعاناة، وعيونٌ غائرة ما تزال معلّقة بأفق الحرية.
وتتناول هذه الأعمال مأساة المعتقلين الفلسطينيين داخل أقبية وسراديب مجهولة الملامح والعناوين، حيث يتحول الغياب إلى حضور بصري طاغٍ، ويغدو الصمت صرخةً صامتةً في وجه النسيان. هنا، لا يكون الفن ترفًا بصريًا أو تزيينًا للواقع، بل شهادة حيّة ومسؤولية أخلاقية، تستدعي طاقة اللون لتحمل عبء الحكاية.
ويشير صالح إلى أن الفن في هذا السياق يتجاوز حدود الجماليات، ليصبح موقفًا إنسانيًا واضحًا، وصوتًا لمن سُلبت أصواتهم، وذاكرةً مقاومةً في وجه الطمس والتغييب. فاللون يتحول إلى لغة بديلة حين تعجز الكلمات، وإلى أداة لفضح أبشع الممارسات التي تؤرق الضمير الإنساني، وحفظ قضية المعتقلين الفلسطينيين في الوعي العام، عربيًا ودوليًا.
ويختتم الفنان تصريحه بالتأكيد على أن الإبداع مسؤولية، وأن اللوحة يمكن أن تكون وثيقةً تاريخية بقدر ما هي عمل فني، تسهم في صون كرامة الإنسان، وتؤكد أن قضية المعتقلين ستظل حيّة في الضمير، ما دام هناك فنّ يرفض الصمت ويصرّ على الشهادة.
في المحصلة يمكن القول، إن الفن لا يحل محل المسار القانوني، لكنه يشكل رافعة معنوية وضغطًا رمزيًا يسهمان في منع طيّ الملف أو تهميشه. فالأغنية، والقصيدة، والفيلم الوثائقي، واللوحة الفنية، جميعها أدوات لحماية الذاكرة من التآكل، وتثبيت أسماء الضحايا في الوعي العام. كما أن الفن يشكل جسرًا بين الألم الفردي والضمير الجمعي، ويمنح قضية المعتقلين الفلسطينيين في سورية بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود السياسة. وبينما يظل المسار القانوني مطلبًا لا غنى عنه لتحقيق العدالة، يبقى للفن دوره في إبقاء الأسماء حية، والوجوه حاضرة، والذاكرة يقظة، إلى أن تتحقق الحقيقة كاملة.
