موقع الإعلامي فايز أبو عيد

الفلسطينيون في قرية المقرز بالريف الجنوبي للقنيطرة

فايز أبو عيد

على خطّ التماس مع مرتفعات الجولان المحتلة، تعيش قرية المقرز في الريف الجنوبي لمحافظة القنيطرة واقعاً مركّباً من التهميش الجغرافي وضعف الخدمات، ينعكس بشكل مباشر على سكانها، ومن بينهم عدد محدود من الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم على هامش الاهتمام الرسمي والدولي. القرية السورية المحاطة من الشرق بسدّ ووادي الرقاد، ومن الغرب قرية صيدا الجولان، يغلُب على سكانها الطابع العشائري، فيما يتمثّل الوجود الفلسطيني أساساً بعائلة القديري، التي تعود أصولها إلى بلدة كفر مصر في قضاء بيسان الفلسطيني.

يقدّر أهالي القرية عدد الفلسطينيين المقيمين فيها بنحو 25 شخصاً فقط، وهو رقم آخذ في التراجع بفعل الهجرة خلال السنوات الماضية، سواء إلى لبنان أو إلى تجمعات فلسطينية أكبر في القنيطرة.

ويقول أحد وجهاء القرية إنّ “الموقع الحدودي للمقرز، وغياب مقومات الاستقرار، جعلا البقاء فيها خياراً صعباً، خصوصاً للعائلات الفلسطينية التي تفتقر إلى أي شبكة دعم حقيقية”.

أبرز التحديات التي تواجه سكان المقرز تتجلى في ملف التعليم، فالقرية لا تضم سوى مدرسة ابتدائية، ما يضطر طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية إلى التوجه يومياً إلى قرية صيدا الجولان عبر طرق وعرة.

محمد القديري، أحد أبناء العائلة الفلسطينية، يصف الرحلة المدرسية لأبنائه بأنها “مغامرة يومية”، ويقول لـ “العربي الجديد”: لا توجد مواصلات منتظمة، وغالباً ما يذهب الطلاب سيراً على الأقدام، أو ينتظرون مركبة عابرة كالدراجات النارية التي انتشرت بشكل كبير، لكنها لا تحمل أكثر من شخص أو شخصين، أما في الشتاء تصبح الطرق شبه مقطوعة، والخوف لا يفارق الأهالي.

هذه الصعوبات دفعت كثيراً من العائلات إلى سحب أبنائها من المدارس، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل لطلاب الجامعات والمعاهد، التي قد تصل إلى نحو 60 ألف ليرة سورية للذهاب والعودة إلى درعا.

ويشير المدرّس المتقاعد أحمد السلمان، وهو من سكان المنطقة، إلى أنّ الحرمان من التعليم بات ظاهرة مقلقة في القرى الحدودية، والفلسطينيون من أكثر المتضررين بسبب أوضاعهم القانونية والاقتصادية الهشّة، ما يهدد جيلاً كاملاً بالأمية.

هنا تبرز الحاجة الملحة، كما يطالب المجتمع المحلي، إلى تأهيل المدرسة الإعدادية الموجودة في القرية والتي أغلقت بسبب الحرب، لتكون خطوة عملية لتخفيف معاناة مئات الأسر وتشجيعهم على إكمال تعليم أبنائهم.

فيما لا يقلّ الواقع المعيشي صعوبة، حيث يعتمد معظم سكان المقرز على الزراعة البعلية وتربية المواشي، وتشتهر القرية بزراعة البامية واللوبيا لقلة تكلفتهما.

 خالد الفاران (35 عاماً)، أحد أبناء القرية، يوضح أن تربية الأغنام تشكّل مصدر الدخل الأساسي لكثير من العائلات، لكن غياب الدعم وارتفاع أسعار الأعلاف جعلا هذا المصدر مهدداً.

 أما الفلسطينيون، فيلجأ بعضهم إلى أعمال موسمية إضافية كالطلاء والعمل في البناء، محمود القديري يقول إنّ بيع الحطب شتاءً بات وسيلته الأساسية لتأمين لقمة العيش، مضيفاً أنّ المساعدات التي كانت تقدّمها الأونروا توقفت منذ سنوات، ولم يُعوض عنها بأي بديل.

في المجال الصحي، تبدو الصورة أكثر قتامة، فالقرية تفتقر إلى أي مركز صحي أو طبيب مقيم، فيما يضطر المرضى إلى التوجه إلى صيدا الجولان أو قطع مسافات طويلة إلى المزيريب أو مشفى نوى الذي يبعد قرابة 45 كم.

 الدكتور سامر العلي، وهو طبيب يعمل في الريف الجنوبي للقنيطرة، يؤكد أنّ غياب الخدمات الصحية الأساسية يضاعف المخاطر، خصوصاً على الأطفال وكبار السن، في ظل انتشار أمراض ناتجة عن تلوث المياه بسبب عدم وجود شبكة صرف صحي.

ويشتكي الأهالي من أنّ مشكلة الصرف الصحي باتت تهدد صحتهم بشكل مباشر، إذ تؤدي إلى تلوث المياه الجوفية وانتشار الأمراض، من دون أي تدخل حقيقي لمعالجتها.

ووفقاً لأبو محمد، أحد سكان قرية المقرز في ريف القنيطرة الجنوبي، أن الأيام الأخيرة حملت معها شعورًا متزايدًا بالقلق والخوف بين الأهالي، في ظل تصاعد انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي وتوسّع تحركاتها داخل القرى القريبة من خط وقف إطلاق النار.

ويضيف، في حديثه، لـ “العربي الجديد” أنّ دوريات الاحتلال باتت تدخل القرية بشكل متكرر، وتنفّذ عمليات مداهمة وتفتيش للمنازل، وسط إجراءات وصفها بـ«غير المسبوقة» منذ سنوات.

وبحسب أبو خالد، طلب الجنود من الأهالي إبراز دفاتر العائلة، كما جرى استدعاء مختار القرية أكثر من مرة، في محاولة واضحة لجمع معلومات تفصيلية عن السكان. «لم يكتفوا بذلك»، يقول، «بل أجروا إحصاءً فعليًا لأهالي البلدة، وبدأوا بالسؤال عن هويات الأشخاص الذين يزورون القرية، ومن أين يأتون ولماذا». ويشير إلى أنّ هذه التحركات رافقها تحليق مكثف لطائرات مسيّرة فوق القرية ومحيطها، ما ضاعف شعور الأهالي بأنهم تحت مراقبة دائمة.

ويختم أبو خالد حديثه بالقول إنّ الأهالي يعيشون اليوم حالة من الترقب والخشية، في ظل غياب أي ضمانات تحميهم من هذه الانتهاكات، وخوف متزايد من أن تتحول الإجراءات الحالية إلى واقع دائم يفرضه الاحتلال بالقوة، ويعيد إلى الأذهان تجارب مريرة عاشها سكان المنطقة على مدى عقود.

وفي هذا السياق، يرى الناشط المجتمعي فؤاد الحسن أن القرى الحدودية تُترك لمصيرها، وكأنها خارج الخريطة الخدمية، رغم أن سكانها يدفعون الثمن الأكبر.

الفلسطينيون في المقرز يعبّرون عن شعور متزايد بالعزلة. يقول أبو خالد القديري إنّ أي منظمة دولية لم تزُر القرية طوال سنوات الحرب، بما فيها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”. مضيفاً، كنا نضطر إلى الذهاب بأنفسنا إلى درعا أو خان أرنبة للحصول على المساعدات، متكبدين مخاطر الطرق والنزاعات التي كانت تشهدها تلك المناطق.

ويقدّر سكان المقرز عدد أهالي القرية بنحو 800 نسمة، يعيشون جميعاً التحديات نفسها، لكن الفلسطينيين، لقلة عددهم وغياب مظلة حماية فاعلة، يواجهون أوضاعاً مزرية مضاعفة.

ورغم ذلك، يبقى الفلسطينيون الـ 25 في المقرز، كغيرهم من أبناء شعبهم، جزءاً من المشهد القائم على الحدود، يتمسكون بالبقاء، حاملين هويتهم وذاكرتهم، بانتظار أن يصل صوتهم إلى الجهات المعنية، وأن يعود الحد الأدنى من الاهتمام بهذه المناطق المهمّشة، بما يضمن حياة أكثر كرامة ومستقبلاً أقل قسوة لأبنائهم.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *