موقع الإعلامي فايز أبو عيد

لاجئون بلا ملاذ: حكاية الألم المستمرة لفلسطينيي سورية في لبنان

فايز أبو عيد

في بلدٍ يرزح تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، تتقاطع مآسي الحروب والنزوح لتصنع واقعًا قاسيًا لآلاف اللاجئين. وبين هؤلاء، يبرز فلسطينو سورية كأحد أكثر الفئات هشاشة في لبنان؛ إذ يعيشون اليوم معاناة مركبة تجمع بين اللجوء القديم والنزوح المتكرر وغياب الحماية القانونية والاجتماعية.

منذ اندلاع الحرب في سورية عام 2011، اضطر عشرات آلاف الفلسطينيين المقيمين في مخيمات سورية إلى الفرار نحو لبنان بحثًا عن الأمان. ومع مرور السنوات، استقر كثير منهم في مدن ومناطق مثل صور وبيروت والبقاع، محاولين إعادة بناء حياة مؤقتة رغم القيود القانونية والاقتصادية التي تحاصر اللاجئين في البلاد.

لكن هذه الحياة الهشة سرعان ما تعرضت لهزة جديدة مع تصاعد التوترات والحرب في لبنان، ما أجبر كثيرين منهم على النزوح مرة أخرى من مساكنهم، في مشهد يعيد إلى الأذهان رحلة اللجوء الأولى. خلال أقل من عامين فقط، وجد آلاف الفلسطينيين القادمين من سورية أنفسهم مجددًا في حالة تهجير، متنقلين بين مناطق مختلفة بحثًا عن مأوى آمن.

تتضاعف معاناة هؤلاء اللاجئين بسبب أوضاعهم القانونية غير المستقرة في لبنان، إذ لا يتمتع معظمهم بإقامات دائمة أو حقوق عمل واضحة، ما يجعلهم عرضة للاستغلال أو الطرد أو فقدان مصادر رزقهم في أي لحظة. ومع النزوح المتكرر، فقد كثيرون أعمالهم المحدودة التي كانوا يعتمدون عليها لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

وفي ظل هذه الظروف القاسية، تتفاقم الأزمة مع غياب جهات فلسطينية رسمية قادرة على تأمين احتياجاتهم أو توفير مظلة حماية حقيقية لهم. كما يشتكي اللاجئون من تراجع الخدمات الإنسانية المقدمة لهم، خصوصًا بعد تقليص المساعدات التي تقدمها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، والتي كانت تشكل شريان حياة أساسياً لكثير من العائلات.

ومع توقف عدد من برامج الدعم المالي الطارئ، باتت عائلات كاملة عاجزة عن تأمين أبسط مقومات الحياة، مثل إيجار المنازل أو الغذاء أو الرعاية الصحية. ويقول لاجئون إنهم اضطروا للعيش في مساكن مؤقتة أو مشاركة منازل ضيقة مع عائلات أخرى، في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الخصوصية أو الاستقرار.

المعضلة الأكبر التي تواجه فلسطينيي سورية في لبنان هي انعدام الخيارات. فالوضع الاقتصادي المتدهور في البلاد يحد من قدرتهم على العمل أو الاعتماد على أنفسهم، في حين أن العودة إلى مخيماتهم في سورية تبدو خيارًا شبه مستحيل. كثير من تلك المخيمات، التي كانت يومًا ملاذهم الوحيد، تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى تدمير المنازل والبنية التحتية وفقدان الممتلكات.

وهكذا يجد هؤلاء أنفسهم عالقين في دائرة مغلقة: لا قدرة على الاستقرار في لبنان، ولا إمكانية واقعية للعودة إلى سورية، ولا أفق واضح لحل يضمن لهم حياة كريمة. وبين هذا وذاك، تستمر معاناتهم بصمت، بعيدًا عن الأضواء، فيما تتراكم قصص الفقد والنزوح جيلاً بعد جيل.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *