موقع الإعلامي فايز أبو عيد

أبناء الفلسطينية من زوج سوري بين حق الأم وحرمان الأونروا

فايز أبو عيد

في زحمة الأرقام والإحصائيات والميزانيات المثقلة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، تغيب حكاية إنسانية بسيطة، لكنها مؤلمة.

إنها حكاية امرأة فلسطينية، امرأة تحمل في عروقها نكبة 48، وتحمل في ذاكرتها تفاصيل المخيم، وتحمل اليوم على كتفيها عبء أسرة كاملة.

هذه المرأة، التي تزوجت من رجل سوري، تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه.

هي معترف بها كلاجئة، زوجها السوري قد يحصل على بعض الخدمات الإنسانية في بعض الأحيان، لكن أطفالها، ثمرة حياتها، يقفون خارج أسوار “الأونروا” تماماً.

شهادة مختصرة… منى عيسى نموذج للمأساة

منى شحادة عيسى، امرأة فلسطينية من حيفا، من قرية عين غزال المهجرة، تزوجت من رجل سوري سالم احمد، مثلها مثل شقيقاتها الثلاث، في صورة حية من صور التمازج الاجتماعي العميق بين الشعبين.

مع اندلاع الحرب 2011، بدأت رحلة نزوح قاسية من درعا إلى اللاذقية، هناك، لم تجد منى الأمان، بل وجدت وجهاً جديداً للمعاناة، اكتشفت أنها مصابة بسرطان الرحم، وتحتاج لعلاج دوري، وزوجها عاطل عن العمل، لكن المأساة الحقيقية كانت في طفلها باسل المصاب بربو حاد، والمساعدة المادية كانت مقتصرة عليها وعلى زوجها مع حرمان الأبناء.

وفي خضم أزمة الأدوية في سوريا، حيث أصبح سعر جهاز الاستنشاق (البخاخ) يساوي مرتب موظف لأسبوع، والصيدليات تخلو من الأنواع النوعية، تلجأ منى للاستدانة لتأمين دواء ابنها على حساب علاجها هي من السرطان.

توجهت منى إلى “الأونروا” طلباً لاستثناء إنساني لعلاج ابنها، خصوصاً أنها لاجئة مسجلة، كان الجواب صادماً: “ابنك غير مسجل لدينا، لأنه من أب سوري، لا يمكننا مساعدته”.

هي اليوم عالقة بين مرضها ومرض طفلها، وبين غلاء الدواء وغلاء الإيجار، وبين جدران بيت لا تملكه وأبواب “أونروا” موصدة في وجه ابنها.

المرأة الفلسطينية… لماذا يجب أن تكون محور الاهتمام؟

قبل أن نناقش أبناءها، يجب أن نتوقف عند مكانة المرأة الفلسطينية نفسها، إنها ليست مجرد “حالة” في ملف، بل هي صانعة حياة.

هي التي حافظت على الهوية الفلسطينية في الشتات، وهي التي رعت الأجيال، في المقابل، نجد أن القانون الحالي يعاملها كما لو كانت نصف مواطنة في منظومة اللجوء.

عندما تطالب المرأة الفلسطينية المتزوجة من سوري بأن يدرس أبناؤها في مدارس “الأونروا”، أو أن يتلقوا الدواء في عياداتها، فهي لا تطلب معروفاً.

إنها تمارس حقاً أساسياً من حقوقها الإنسانية، فالأم هي الأم، سواء كان الأب فلسطينياً أم سورياً، ولعل حرمان ابنها من العلاج هو في النهاية حرمان لها هي أيضاً، وتحويل لحياتها إلى جحيم يومي من البحث عن دواء لا تجده.

مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة… شعار يجب أن يطبق

تتباهى المنظمات الأممية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، بمبادئ المساواة بين الجنسين، لكن أين هذا المبدأ في سياسات “الأونروا” الحالية؟

الواقع يقول إنه إذا تزوج رجل فلسطيني من امرأة أجنبية، يتم تسجيل أبنائه كلاجئين دون أي عوائق.

أما إذا تزوجت امرأة فلسطينية من رجل غير فلسطيني (سوري هنا)، فإن أبناءها يصبحون “غير مرغوب فيهم” في السجلات.

إن الاستثناء الذي نطالب به هو محاولة لتصحيح هذا الخلل. إنه دعوة لتطبيق مبدأ المساواة على أرض الواقع.

إذا كانت المرأة والرجل متساويين في الحقوق والواجبات، فلماذا لا ترث أولادها صفتها كما يرث أولاد الرجل صفته؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن تجيب عليه “الأونروا”.

الدواء أصبح ترفاً

اليوم، نحن لا نتحدث عن أوضاع طبيعية، نحن نتحدث عن واقع اقتصادي قاسٍ تعيشه سوريا بشكل خاص، والمنطقة بشكل عام.

أسعار الأدوية:

في السنوات الأخيرة، شهدت أسعار الأدوية ارتفاعاً جنونياً. دواء بسيط للزكام أو المضاد الحيوي الذي كان يكلف بضع مئات من الليرات، أصبح اليوم يكلف عشرات الآلاف.

الأسرة الفلسطينية والسورية على حد سواء أصبحت عاجزة عن توفير أبسط الاحتياجات الطبية، وبالنسبة لأمراض الربو المزمنة، كما في حالة ابن منى عيسى، أصبحت أجهزة الاستنشاق (البخاخات) المستوردة حديث الأغنياء، والنقص حاد في الأنواع النوعية، مما يضطر المرضى للجوء لبدائل محلية أقل فعالية أو السوق السوداء بأسعار خيالية.

إيجارات المساكن

في الوقت نفسه، ارتفعت إيجارات المساكن بشكل لا يتناسب مع دخل الأسرة، الأسرة تدفع ثلث دخلها (أو نصفه) للسكن، والثلث الآخر للطعام، ويبقى الثلث الأخير الذي يفترض أن يذهب للعلاج والدواء، وهو غالباً ما يتبخر قبل أن يصل إلى الصيدلية.

المرأة الفلسطينية هنا تقف حائرة، هي ترى ابنها مريضاً، وتعلم أن دواءه موجود في الصيدلية، لكن ثمنه يساوي قوت أطفالها ليوم كامل، إلى أين تذهب؟ ليس لديها جواب.

التعليم حق أساسي

لم يعد الأمر مقتصراً على الصحة فقط، المدارس الحكومية السورية، التي كانت صرحاً تعليمياً كبيراً، تعاني اليوم من تبعات الحرب ومن الإهمال ومن ضعف الإمكانيات.

هذا ليس انتقاصاً من دورها، بل هو وصف لواقع مؤلم.

المرأة الفلسطينية تتمنى أن يدرس أطفالها في مدارس “الأونروا”، ليس فقط لأنها مدارس تابعة لوكالة دولية، ولكن لأنها غالباً ما تكون أكثر استقراراً وتنظيماً، وتوفر بيئة تعليمية أفضل في خضم الفوضى المحيطة.

إن حرمان ابنها من مقعد دراسي في مدرسة “الأونروا” هو حكم عليه بمستقبل تعليمي أقل، وهي مرة أخرى، تتحمل هذا العبء النفسي الكبير.

ما المطلوب بالضبط؟

نحن لا نطالب “الأونروا” بفتح باب التسجيل المفتوح لكل من هب ودب، نحن لا نطالب بمنح مالية أو مساعدات إضافية تثقل كاهل ميزانية الوكالة.

المطالب واضحة ومحددة، ويمكن تلخيصها في:

1. استثناء إنساني في الرعاية الصحية:

أن تضع “الأونروا” سياسة استثنائية تسمح لأبناء المرأة الفلسطينية من زوج سوري بتلقي الرعاية الصحية الأساسية والعلاج في مراكزها الصحية، هذا الاستثناء يجب أن يستمر حتى سن معينة (مثلاً 18 سنة)، وهي الفترة التي يكون فيها الطفل غير قادر على تأمين العلاج لنفسه، هذا الاستثناء كان سينقذ آلاف الأطفال مرضى الربو والسرطان والأمراض المزمنة في زمن الغلاء وانعدام الدواء.

2. استثناء إنساني في التعليم:

السماح لهؤلاء الأطفال بالالتحاق بمدارس “الأونروا”، خاصة في المراحل الأساسية، لضمان حصولهم على تعليم مستقر، وتعويضاً عن تراجع الخدمات التعليمية في بعض الدول المضيفة.

3. تعديل القوانين الداخلية وتطبيق مبدأ المساواة:

إعادة النظر في اللوائح الداخلية للوكالة بما يتوافق مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، والاعتراف بأن الأم مصدر للحقوق لأبنائها مثلها مثل الأب تماماً.

هذا التعديل القانوني هو الحل الجذري الذي يمنع تكرار هذه المآسي الإنسانية في المستقبل.

وأخيراً يمكن القول: إن هذه المطالبة ليست إلا اعترافاً بسيطاً بدور المرأة الفلسطينية، إنها رسالة تقول لها: “نحن نراكِ، ونرى تعبكِ، ونريد أن نكون إلى جانبكِ”، إنها مبادرة إنسانية تهدف لرفع الأعباء عن كاهلها في ظل سنوات الحرب القاسية، إنها محاولة لتخفيف المعاناة عن أم تتمنى فقط أن ترى أولادها بخير.

“الأونروا” اليوم أمام فرصة تاريخية لتكون صوت الإنسانية، ولتثبت أن القانون يمكن أن يلين عندما تصمت الحروف وتتحدث دموع الأمهات.

إن تعديل القوانين ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة إنسانية تفرضها آلاف الحالات التي تدفع ثمناً باهظاً لثغرة قانونية لم يرتكبوا أي ذنب في وجودها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *