موقع الإعلامي فايز أبو عيد

أطفال فلسطينيّو سورية في لبنان.. مستقبل ضبابي ومعاناة مركّبة

فايز أبو عيد

في ظل تصاعد التوترات العسكرية في لبنان، تتفاقم معاناة الأطفال بشكل عام، إلا أن أطفال فلسطينيي سورية المقيمين في لبنان يواجهون تحديات مضاعفة نتيجة هشاشة أوضاعهم القانونية والاجتماعية.

تُعد هذه الفئة من أكثر الفئات عرضة للتأثر بالنزاعات المسلحة، حيث يعاني الأطفال من مخاطر جسدية ونفسية متزايدة، إلى جانب فقدان الإحساس بالأمان، والانقطاع عن التعليم، والقلق المستمر بشأن مستقبلهم في ظل بيئة غير مستقرة.

وقد أدى تصاعد القصف الجوي والعمليات العسكرية لقوات الاحتلال في جميع مناطق لبنان إلى زيادة معاناة العائلات، بما في ذلك اللاجئون الفلسطينيون القادمون من سورية، والذين يقيمون في مخيمات وتجمعات تفتقر أساسًا إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة. واضطر العديد منهم إلى النزوح مرة أخرى داخل لبنان، في تكرار مؤلم لتجارب اللجوء السابقة.

نزوح متكرر ومعاناة مركّبة

آلاف العائلات، ومن بينها عائلات فلسطينيي سورية، اضطرت إلى مغادرة مناطقها، خصوصًا في الجنوب، هربًا من القصف، ويعيش الأطفال في مراكز إيواء أو مخيمات مؤقتة تعاني من نقص حاد في الغذاء والمياه والرعاية الصحية، ما ينعكس سلبًا على صحتهم الجسدية والنفسية، ويزيد من خطر انتشار الأمراض.

في حين أدى النزاع إلى إغلاق عشرات المدارس، ما حرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم، ومن بينهم أطفال فلسطينيّو سورية الذين يعانون أصلًا من صعوبات في الوصول إلى النظام التعليمي. كما توقفت العديد من المرافق الصحية عن تقديم خدماتها، ما فاقم من تدهور الأوضاع الإنسانية.

تحذيرات وتداعيات

وضعت الحرب نحو نصف مليون طالب لبناني ولاجئ فلسطيني وسوري خارج مدارسهم، بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، بعدما تحولت أكثر من 350 مدرسة حكومية إلى مراكز إيواء، فيما أغلقت تلك الواقعة في المناطق التي تقصفها إسرائيل أبوابها.

 كما أعربت منظمات دولية، عن قلقها البالغ إزاء التأثيرات المستمرة للنزاع على الأطفال، محذّرة من الآثار طويلة الأمد للعنف على صحتهم النفسية والجسدية وتعليمهم.

وفي هذا السياق، أعلنت منظمة الطفولة التابعة للأمم المتحدة (يونيسيف) نزوح 20% من سكان لبنان في غضون ثلاثة أسابيع فقط بسبب الحرب التي أجبرت نحو 19 ألف طفل على ترك منازلهم بشكل يومي.

وقال ممثل المنظمة في بيروت ماركولويجي كورسي – في تصريحات خاصة أدلت بها لشبكة “سي إن إن” الأمريكية: “إن أحد التحديات التي نواجهها هو الوصول إلى هؤلاء الأطفال، وخاصة في جنوب لبنان”.

إلى ذلك، كشف تقييم حديث أجرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، يركز على أوضاع الأطفال، عن حجم التأثير العميق الذي خلّفته الحرب على حياتهم اليومية، في ظل انهيار أنظمة الحماية والدعم الأساسية التي يعتمدون عليها.

فيما حذّر التقرير من تصاعد مخاطر الاستغلال التي تهدد الأطفال، إلى جانب الآثار النفسية الحادة الناتجة عن التعرض المستمر للعنف والخوف، والتي قد تترك ندوبًا طويلة الأمد على صحتهم النفسية. وفي سياق متصل، أدى تضرر المدارس أو تدميرها إلى تقويض فرص التعليم بشكل كبير، ما يضع مستقبل الأطفال في دائرة الخطر، خصوصًا مع تزايد أعداد المنقطعين عن الدراسة.

كما يفاقم نقص المياه الصالحة للشرب وتدهور خدمات الرعاية الصحية والغذائية من هشاشة أوضاعهم، ويعرض حياتهم لمخاطر متزايدة. ولا تقتصر تداعيات الحرب على الأضرار الآنية، بل تمتد لتشكل تهديدًا مستمرًا قد يطال الأجيال القادمة، في ظل ما تخلّفه من آثار نفسية واجتماعية عميقة يصعب احتواؤها على المدى البعيد.

طفولة محاصرة

لم يعد للأطفال في لبنان عموماً والأطفال الفلسطينيين السوريين والسوريين ذلك الحيّز الطبيعي الذي اعتادوا اللعب فيه داخل المخيمات أو الأحياء، حيث كانت الأزقة والساحات الصغيرة تشكّل متنفسهم الوحيد، اليوم، ومع تكرار النزوح، يجد هؤلاء الأطفال أنفسهم محصورين في أماكن ضيقة داخل مراكز إيواء مكتظة أو غرف مشتركة مع عدة عائلات، تفتقر إلى الحد الأدنى من الخصوصية أو مقومات الحياة الآمنة.

وتتحول مساحات اللعب إلى زوايا محدودة، كحدائق عامة مكتظة أو باحات ضيقة لا تلبي احتياجاتهم النفسية والجسدية، في حين تبقى المخاطر الأمنية حاضرة، مما يقيّد حركتهم ويحدّ من قدرتهم على ممارسة أبسط حقوقهم في اللعب والطفولة.

ورغم ذلك، يواصل الأطفال البحث عن أي مساحة صغيرة للهو، في محاولة للتخفيف من وطأة الخوف والقلق. فبالنسبة لهم، لا يُعدّ اللعب رفاهية، بل وسيلة نفسية أساسية تساعدهم على التكيّف مع الصدمات واستعادة جزء من توازنهم النفسي، حتى وإن كان ذلك في ظل ظروف قاسية ومساحات لا تشبه طفولتهم التي فقدوها.

حرمان من التعليم

تُظهر المعطيات أن التصعيد الأخير في لبنان أدى إلى نزوح واسع شمل مئات آلاف الأطفال، من بينهم عدد كبير من أطفال فلسطينيي سورية، ما تسبب في اضطراب كامل لحياتهم اليومية وحرمانهم من أبسط مقومات الاستقرار، وعلى رأسها التعليم.

ويواجه هؤلاء الأطفال انقطاعًا متكررًا عن الدراسة، في ظل تحويل بعض المدارس إلى مراكز إيواء، أو صعوبة الوصول إليها، الأمر الذي فاقم من تراجع مستواهم التعليمي، خاصة أنهم يعانون أصلًا من فجوات تعليمية نتيجة الأزمات المتتالية التي شهدها لبنان خلال السنوات الماضية.

ورغم الظروف القاسية، يعبّر الأطفال عن حنينهم للمدرسة باعتبارها مساحة للأمان والاستقرار، إلا أن الواقع الحالي يحرمهم من هذا الحق، في ظل غياب حلول مستدامة تضمن استمرار تعليمهم بشكل منتظم.

هذا وتعيش العائلات، خصوصًا من اللاجئين، حالة من القلق المستمر والخوف من المستقبل، في ظل غياب الاستقرار وتراجع الخدمات الأساسية، ومع استمرار التصعيد، تتفاقم الأزمة الإنسانية، ويظل أطفال فلسطينيي سورية من بين الأكثر هشاشة، في انتظار حلول تضمن لهم الأمان والحق في حياة كريمة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *