
على بعد أمتار قليلة فقط من مخيم درعا للاجئين الفلسطينيين، يقع حي طريق السد هو ليس مخيماً، لكنه امتداد طبيعي له، أنشأه فلسطينيون خرجوا من ضيق المخيم ليبنيوا حياة جديدة على امتداد طريق ترابي يؤدي إلى سد درعا الشرقي، ذلك المكان الذي كان يوماً متنفساً سياحياً يقصده الناس من كل مكان.
اليوم، وبعد سنوات من الحرب والدمار، يعكس هذا الحي صورة مصغرة لمعاناة الفلسطينيين في سوريا: قرب مكاني من المخيم، لكن بعد إنساني وخدماتي شاسع عنه.
من مخيم درعا إلى السد:
يعود أصل سكان حي طريق السد إلى مخيم درعا، إلا أن ضيق أزقة المخيم وكثافته السكانية دفع بالكثيرين إلى البحث عن فسحة سكنية في المناطق المجاورة، فبدأوا ببناء منازلهم على طول الطريق الممتد من “بناء المهندسين” غرباً وحتى منطقة “السد” و”الرباعي” شرقاً.
لم يكن الأمر مجرد انتقال سكني، بل كان بناءً لامتداد مجتمعي فلسطيني جديد، يضم عائلات قدمت من قرى وبلدات فلسطينية مختلفة، خاصة من قضاء حيفا (مثل عين غزال وإجزم)، ومن يافا واللد والرملة.
يتوزع الوجود الفلسطيني في هذا الحي بشكل رئيسي من منطقة الحمادين حتى منطقة الرباعي.
ففي غرب بناء المهندسين، تنتشر بيوت لعائلات مثل “أبو عوكل” و”أبو عطا” و”مفلح”، وإلى الشرق، نجد عائلات “زعزع” و”عبد الحق” و”صويتي”. وخلف المهندسين قرب ثانوية الشرقية، تتركز عائلات “فنطازية” و”خليفة” و”حمدان”، التي يزيد تعداد أفرادها عن 200 فرد، أما عند السد نفسه، فيقل الوجود الفلسطيني بشكل كبير.
لقد شكلوا نسيجاً مجتمعياً متجانساً، يجمعهم ألم اللجوء وذاكرة القرى، ويجاورهم أشقاؤهم السوريون من عائلات درعا البلد والأحياء المحيطة.
نكبة جديدة
مع اندلاع الثورة السورية، تحول حي طريق السد من جسر وصل بين درعا البلد والمخيم إلى ساحة من ساحات الصراع. تعرض الحي لدمار هائل وممنهج. لقاؤنا مع أحد سكان الحي، أبو محمد زعزع (وهو من العائلات الفلسطينية القاطنة في المنطقة)، يؤكد صورة الدمار المروعة: “نسبة الدمار في هذا الحي 100%، لا يوجد بيت واحد إلا وقد تعرض للدمار. عندما تسير في هذا المكان، تشعر أنك أمام موقع أصيب بقنبلة نووية”.
يمكن تقسيم حالات الضرر إلى ثلاث فئات: دمار كلي (هدم أو حرق) طال مباني بأكملها هوت على رؤوس ساكنيها، دمار متوسط، وآخر جزئي.
وحسب إحصاءات غير رسمية، بلغ عدد البيوت المدمرة 120 منزلاً، 40 منها في حالة دمار كلي. حتى السد نفسه، ذلك المعلم السياحي الذي كان يقصده الناس للاستجمام، لم يسلم من الدمار، وأصبح جزءاً من المشهد الموجع، وإن عادت إليه المياه مؤخراً بعد انقطاع دام لسنوات، لترسم لوحة من التناقض بين جمال الطبيعة وخراب الإنسان.
معاناة يومية:
بعد عام 2018 وعودة النازحين نتيجة “التسويات”، وجد أهالي طريق السد أنفسهم أمام واقع مرير، فالبنية التحتية مدمرة بالكامل، وشبكات المياه والكهرباء لا تزال معطلة. اقتصر دور “الهلال الأحمر” على ترحيل بعض الأنقاض وفتح الطرق وإصلاح شبكة الصرف الصحي بشكل محدود.
أما على صعيد المنازل، فقد قام بعض أصحاب البيوت المتضررة جزئياً بترميم أجزاء بسيطة جداً على نفقتهم الخاصة، في ظل غلاء فاحش يجعل حتى تركيب زجاج نافذة مكسورة عبئاً لا يطاق، كما أن خزانات المياه على الأسطح، والتي لا يقل ثمن الواحد منها عن مليون ليرة سورية، تحولت إلى كومة من البلاستيك المحطم.
اضطر الكثيرون للعودة إلى بيوتهم المدمرة جزئياً أو حتى السكن في أبنية غير مكتملة، هرباً من أعباء الإيجار المرتفعة، خاصة مع عودة العديد من مالكي البيوت (الذين هاجروا إلى أوروبا) بعد التحرير، مطالبين ببيوتهم أو بإيجارات خيالية.
“عين الأونروا لا ترانا”
المشكلة الأكثر إيلاماً وإلحاحاً بالنسبة لسكان طريق السد هي تجاهل وكالة الغوث (الأونروا) لهم، فعلى الرغم من أنهم لاجئون فلسطينيون، وأقاربهم يسكنون على بعد خطوات في المخيم، إلا أن الأونروا ترفض تقديم أي دعم لهم بحجة أنهم “خارج ملاك المخيم” وأن بيوتهم “طابو دولة” (مملوكة لأصحابها وبالتالي مسؤولية الدولة السورية)، بينما بيوت المخيم “طابو أونروا” (وتقع تحت مسؤوليتها).
هذا التجاهل طال كل شيء: الإعانات، مواد الإغاثة، وأهمها إعادة الإعمار والترميم.
يقول خ. م 26 عاما خريج إرشاد نفسي وأحد سكان الحي بمرارة: “عيون الأونروا لا ترى إلا مخيم درعا، وهي تحتاج اليوم لفحص بصري، ونحن مستعدون أن نلبس المسؤولين نظارات على حسابنا، المهم أن يروا أن هناك فلسطينيين بجوارهم”.
فيما يؤكد حسين خليفة 40 عاما، أحد سكان الحي، أن الأونروا عندما أخبروهم بوضعهم، كان جوابهم قاطعاً: “أنتم خارج خطة الأونروا، لا إصلاح ولا ترميم لبيوتكم التي دُمرت بشكل شبه كامل”.
هذه الازدواجية في التعامل تخلق واقعاً غريباً، حيث يتشارك الجيران نفس الألم والمعاناة، لكن أحدهم يتلقى دعماً بينما الآخر يُترك لمصيره، في تحدٍ صارخ للمبادئ الإنسانية التي تأسست عليها الوكالة.
مدارس الأونروا نعم، وترميمها لا!
في مفارقة غريبة، يضطر أبناء حي طريق السد إلى التوجه إلى مدارس الأونروا داخل مخيم درعا لتلقي تعليمهم، كما أنهم يقصدون المراكز الصحية التابعة للوكالة لقربها الجغرافي.
هم يستفيدون من الخدمات اليومية، لكنهم محرومون من خدمات الإعاشة والإعمار. هي صورة بائسة لانتماء منقوص، تشبه إلى حد كبير قصة “خيمة عن خيمة تختلف” التي رواها الأديب الشهيد غسان كنفاني، والتي استحضرها الشاب خ.م (26 عاماً) من سكان الحي في حديثه لنا: “طريق السد ومخيم درعا يذكرنا بقصة غسان كنفاني، خيمة عن خيمة تختلف. نحن جيران، أهلنا فلسطينيون، لكن الاستحقاقات المادية والمساعدات والاعتراف والترميم… كل شيء يختلف”.
دعوة لإعادة النظر
آن الأوان لتنظر الأونروا بعين واحدة للجميع، فاليوم، وبعد تحرير سوريا من نظام الاستبداد، تتجدد الآمال ويعلو صوت الفلسطينيين في حي طريق السد وغيره من التجمعات الفلسطينية في درعا والقنيطرة مطالبين الأونروا بتصحيح مسارها والخروج من قوقعة المخيمات الرسمية.
فالضغط الاقتصادي هائل، ولا بوادر حقيقية لإعادة إعمار أو إصلاح تلوح في الأفق.
إن تجاهل آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون خارج الأسلاك الشائكة للمخيمات هو إنكار للحقوق وإمعان في تهميش شريحة كبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني في سوريا.
أمام الأونروا اليوم مسؤولية إنسانية وأخلاقية، وهي مدعوة لإعادة نظرتها الشاملة لتشمل كل فلسطيني أينما وجد، وتقديم الدعم العاجل لترميم ما دمرته الحرب، وإعادة الأمل لمن ظلوا صامدين في بيوتهم المدمرة على أمل العودة، ليس فقط إلى فلسطين، بل إلى حياة كريمة تليق بإنسانيتهم.
مجموعة العمل للفلسطينيين في سوريا، بوصفها من الرواد في تسليط الضوء على هموم الفلسطينيين في كل بقعة من سوريا، ستظل تأخذ على عاتقها واجب الرصد والتوثيق والحديث بشفافية عن واقع الفلسطينيين ومعاناتهم، داعية كل فلسطيني إلى مشاركة قصته، فالفلسطينيون في سوريا أخوة ويد واحدة في مواجهة الماضي بكل آلامه، وبناء مستقبل بكل تحدياته.
