موقع الإعلامي فايز أبو عيد

سرقة الدراجات النارية والضحايا يتعلقون بالمفاتيح

فايز أبو عيد

في مشهد يعيد إنتاج التراجيديا الفلسطينية بأسلوب كوميدي سوري خالص، تحولت سرقة الدراجات النارية في محافظة درعا إلى مادة للسخرية المريرة.

فاللصوص، تلك الفئة الهدامة التي لا تريد لهذا البلد أن يتعافى، يواصلون نشاطهم مستغلين عاملين أساسيين: تقصير في تفعيل دور الشرطة، وإهمال في استخدام التكنولوجيا (كاميرات المراقبة) كسلاح في المواجهة.

النتيجة؟ مواطنون يئسوا من الانتظار، فقرروا أن يضحكوا على جراحهم.

والضحكة هذه المرة لها طعم فلسطيني خاص، إن ضحايا السرقة من اللاجئين الفلسطينيين في درعا بدؤوا يتساءلون بسخرية: “نحن الذين ظللنا 70 عامًا نتمسك بمفاتيح بيوتنا المهدمة في يافا وحيفا …. الخ، فهل من الطبيعي أن نتمسك اليوم بمفتاح دراجة سرقت من تحت عمارتنا؟ أم أن هذه المفاتيح أصبحت مجرد ‘هوس وطني’ لا يفتح شيئًا سوى شهية الضحك على البكاء؟”

فإذا كانت الدولة ما زالت بطيئة في ملاحقة اللصوص وتفعيل الكاميرات، فإن المواطنين أسرع في تحويل مفاتيحهم المسروقة إلى “أيقونة ساخرة” تليق بمرحلة التعافي المتعثرة.

حاتم ومفتاح موتوره المسروق:

في ضاحية درعا، يقف اللاجئ الفلسطيني حاتم سواركة (37 عامًا) أمام جدار غرفته.

على الحائط، معلقان جنبًا إلى جنب: مفتاح قديم صدئ لبيت جده في فلسطين، ومفتاح جديد لدراجته النارية التي سُرقت مرتين خلال شهر واحد.

يقول حاتم، وهو يشير إلى المفتاحين بسخرية لا تخفى:

“هذا مفتاح بيت جدي في فلسطين، خرجنا به عام 48، وظللت 37 سنة أتعلّق به كأنه سيُعيدنا يومًا.

وهذا مفتاح دراجتي التي سُرقت الأسبوع الماضي، ولعل الفرق الوحيد أن بيت جدي هُدم بالكامل، أما دراجتي فعلى الأرجح تُباع الآن في أحد الأسواق، لكن القاسم المشترك؟ كلا المفتاحين لا يفتحان شيئًا، ولا أحد منهما سيعيد لي ما سرق.

ثلاثة مفاتيح في الجيب.. واحد لدراجة راحت، وواحد لدراجة موجودة، وواحد لبيت عمره 70 سنة: اللاجئ الفلسطيني قيس الغزاوي ٢٤ عاما طالب هندسة معلوماتية، يدفع لجاره 100 ألف ليرة سورية شهريًا كإيجار لمرآب صغير في بيته الأرضي، لكي يحرس له دراجته، وقد تحول من ضحية سرقة بسيطة إلى “جامع مفاتيح محترف”، بعد أن سُرقت دراجته الأولى، واشترى دراجة جديدة، وجد نفسه فجأة يمتلك ثلاثة مفاتيح لا تجمعه علاقة طبيعية بأي منها.

يقول قيس بسخرية، وهو يفرغ جيوبه على الطاولة: “انظروا معي إلى هذه المجموعة المباركة، هذا مفتاح دراجتي الأولى المسروقة، ما زلت أحتفظ به كتذكار حزين، وكأني أنتظر عودتها مثلما ينتظر أجدادي عودة فلسطين. وهذا مفتاح دراجتي الجديدة، الدراجة الوحيدة التي أملكها اليوم، والتي أركبها كل صباح وأخاف عليها من اللصوص أكثر مما أخاف على روحي، وهذا مفتاح بيت جدي في فلسطين، الذي خرجنا منه عام 48 ولم نعد إليه منذ ذلك اليوم.”

ويضيف قيس ساخرًا من عبثية المشهد: “لدي ثلاثة مفاتيح. واحد لدراجة لا أملكها (لأنها سُرقت)، وواحد لبيت لا أملكه (لأنه في فلسطين)، وواحد فقط لدراجة أملكها بالفعل، نسبة النجاح واحد من ثلاثة! لو كانت هذه نسبة النجاح في المدرسة لرسبت، لكن هذه هي حياتي اليوم: اثنان من كل ثلاثة مفاتيح بحوزتي لا يفتحان أي شيء يخصني، مفتاح فلسطين لا يفتح بيتًا، ومفتاح الدراجة المسروقة لا يفتح دراجة، والمضحك أنني ما زلت أتمسك بهما وكأنهما كنز.”

أربعة مفاتيح في جيبي، هل هذه هواية عائلية أم وراثة جينية؟”

أما (خ. م 27 عامًا)، اللاجئ الفلسطيني، خريج الإرشاد النفسي، فيبدو أنه أول مريض يحتاج إلى جلسة علاج عاجلة.

يقول وهو يفرغ جيوبه: “هذا مفتاح دراجتي الأولى التي سُرقت قبل التحرير، كنت جمعت ثمنها وطلعت روحي.

وهذا مفتاح دراجة أخي التي سُرقت قبلي، وهذا مفتاح بيت جدي في فلسطين، وهذا مفتاح دراجتي الحالية التي أعمل عليها دهانًا وأقطع بها مسافات طويلة وأعود في وقت متأخر حيث لا مواصلات.

أربعة مفاتيح يا سيدي! عائلتنا بأكملها صار عندها هواية جمع المفاتيح بدل الدراجات.

أجدادي بدأوا بمفتاح فلسطين، ونحن أكملنا المسيرة، أما دراجتي الحالية فأضطر لوضعها في ‘براكية’ على الرصيف لأني أخاف من اللصوص، واليوم صارت البلدية تهدد بإزالة البراكيات، فأنا الآن أخاف من اللصوص ومن البلدية ومن الشرطة ومن الجيران اللي يكسروا دراجتي وهم يخرجوا دراجاتهم.

أنا خريج إرشاد نفسي وأقول لكم: هذه الحالة لا يعالجها إلا كاميرات مراقبة أو أن نرمي المفاتيح الأربعة في البحر ونشتري حمارًا.”

سوريا تتعافى ببطء.. والمفاتيح تتحول إلى “ضحكة يابسة”:

في درعا اليوم، يتساءل اللاجئون الفلسطينيون والسوريون على حد سواء: هل نحن شعب “مفتاحي” بطبعه؟ نحتفظ بمفاتيح بيوتنا المهدمة في فلسطين لسبعين عامًا، ونحتفظ اليوم بمفاتيح دراجاتنا المسروقة في درعا.

هل هذه “عبقرية في الصمود” أم “سذاجة في التمسك بالوهم”؟

اللصوص فئة هدامة، هذا مؤكد، لكن المسؤولية لا تقع عليهم وحدهم، فطالما أن الكاميرات غير مفعلة، والشرطة بطيئة، والتكنولوجيا مهملة، فإن سرقة الدراجات النارية ستظل “صناعة وطنية” في درعا.

والمفاتيح ستظل معلقة على الجدران، إلى جوار مفتاح فلسطين، كشاهد على مرحلة تعافٍ بطيء، وضحكة يابسة على ألم لا ينتهي.

الخلاصة التي يرفعها ضحايا السرقة اليوم ليست “أعيدوا لنا دراجاتنا”، بل ببساطة: “أعطونا كاميرات، أو على الأقل أعطونا سببًا لنرمي هذه المفاتيح اللعينة”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *