
فايز أبو عيد
وُلد الشهيد عبد الله الأصبح، المعروف بـ”أبو العبد”، في قرية الجاعونة قضاء صفد في آذار/مارس عام 1910، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة بين بيوت القرية وأزقتها. كان أسمر البشرة، أسود العينين، متوسط القامة، وتوحي ملامحه، ولا سيما عيناه الغائرتان قليلًا، بما عُرف عنه من شجاعة وذكاء وعزة نفس. عاش طفولته في بيت متواضع من الطين بالقرب من نوفرة القرية، شأنه شأن أبناء الجاعونة في تلك المرحلة.
منذ شبابه المبكر، انخرط في العمل الوطني، وشارك في الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي إلى جانب القائد الشهيد سعيد العاص، حيث اكتسب خبرة عسكرية وروحًا نضالية أهلته لاحقًا ليكون أحد أبرز قادة الثورة الفلسطينية الكبرى. وبعد عودته إلى فلسطين، التحق بحركة الشيخ عز الدين القسام، وتأثر بفكره الإصلاحي والوطني، ليصبح من أقرب تلامذته وأنشط المجاهدين الذين ساروا على نهجه.

مع اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939)، برز اسم عبد الله الأصبح قائدًا ميدانيًا في منطقة الجليل. قاد مجموعة ثورية ضمت نحو خمسة عشر مجاهدًا، اعتمدت أسلوب الكر والفر، ونفذت عمليات جريئة ضد القوات البريطانية والأهداف الصهيونية، حيث كانت تنصب الكمائن ونقاط المراقبة ثم تنسحب إلى القرى والكهوف الجبلية قبل حلول الظلام. وعلى الرغم من تعرض مجموعته لخسائر كبيرة إثر كمين بريطاني قرب قرية عرابة في منتصف عام 1937، فقد لعب دورًا بارزًا في إعادة إشعال الثورة أواخر ذلك العام، وحشد فلاحي قضاء صفد للانخراط في صفوف المقاومة.
خاض الأصبح عشرات المواجهات والمعارك، من أبرزها: معركة وادي الليمون، ومعركة الصفية، ومعركة جرن حلاوة، ومعركة وادي الطواحين، ومعركة النبي يوشع، ومعركة النويرية، ومعركة جبل الجرمق، إضافة إلى معارك أخرى في مناطق الجليل الأعلى. وقد اكتسب شهرة واسعة بين الأهالي بسبب جرأته ورفضه الاستسلام، حتى إن السلطات البريطانية أعلنت مكافأة قدرها ألف جنيه فلسطيني لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه حيًا أو ميتًا، عقب إحدى المعارك التي خاضها في منطقة النبي يوشع.
وكان إلى جانب عبد الله الأصبح عدد من أبناء الجاعونة الذين شاركوا في مسيرة النضال، ومنهم: يوسف الحاج حسن، ومحمود الخليل، وعبد الله الحوراني، وصلاح حسين، ومحمد زيتوني، ومحمود الموسى، ومحمود أبو اسنينة، ومحمد الحسين، وغيرهم من أبناء القرية الذين أسهموا في دعم الثورة ومقاومة الاحتلال.
وفي ربيع عام 1938، تمكنت السلطات البريطانية من الحصول على معلومات عن مكان اختباء الأصبح وبعض رجاله في منطقة جبلية قرب الحدود اللبنانية. ففرضت عليهم حصارًا شديدًا داخل كهف، واستمر الحصار حتى نفدت المؤونة والذخيرة. وعندما أيقن الثوار استحالة النجاة، خرجوا واحدًا تلو الآخر وهم يطلقون النار على القوات المحاصرة. واستشهد جميع من كانوا معه بعد قتال بطولي، فيما كان عبد الله الأصبح آخر من سقط في المواجهة، وفقًا لشهادات أبناء المنطقة ورفاقه.
وتروي الروايات الشعبية أن الأصبح ظل يقاتل حتى اللحظات الأخيرة، وأنه أصيب بشظية في رأسه أثناء الاشتباك، فيما تذكر روايات أخرى أنه شعر بألم شديد أثناء المعركة فانكشف موقعه للقوات البريطانية التي أمطرته بالنيران. وقد بقيت جثمانه في موقع المعركة مدة طويلة بسبب خشية الأهالي من بطش سلطات الانتداب، قبل أن يتم دفنه لاحقًا. وتشير بعض الروايات إلى دفنه في قرية سعسع، بينما تذكر روايات أخرى أنه دُفن مع عدد من رفاقه في منطقة البقيعة، الأمر الذي يعكس تعدد الروايات الشفوية المتداولة حول تفاصيل استشهاده.

ومن أشهر ما حفظته الذاكرة الشعبية عنه، ما نُقل على لسان بعض الشهود من أنه قال وهو يحتضر:
“أنا عبد الله الأصبح… أنا عند الله أصبح.”
بعد استشهاده، تحول عبد الله الأصبح إلى رمز وطني في الجليل، وخلدت سيرته الأغاني والأهازيج الشعبية التي كانت تُغنى في الأعراس والدبكات الفلسطينية، ومنها:
أبو العبد بالمتراس واقف
كتّ اللحم وضل العظم واقف
يا ريتك يا بو العبد بقيت واقف
وصوتك يرعد جيوش العدا
كما عُرف بين أبناء فلسطين باستقامته ونزاهته وابتعاده عن المصالح الشخصية، الأمر الذي أكسبه احترام الأهالي ومحبتهم. ولم يُرزق بأبناء، وظلت زوجته تقيم في الجاعونة حتى نكبة عام 1948، ثم انتقلت إلى مخيم اليرموك قرب دمشق، حيث عاشت مع آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين حملوا معهم ذاكرة الوطن وسيرة رجاله.
بقي اسم عبد الله الأصبح حاضرًا في الوجدان الفلسطيني بوصفه أحد أبرز قادة الثورة الفلسطينية الكبرى في الجليل، ورمزًا من رموز الجاعونة الذين سطروا بدمائهم صفحات مشرقة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني.
