موقع الإعلامي فايز أبو عيد

جوقة المزامير وحفلة الطبول: حين يصبح الصدى أعلى من الصوت

فايز أبو عيد

في بعض الأزمنة لا تحتاج السلطة إلى أبواق، فالأبواق تتكاثر وحدها كما تتكاثر الأعشاب البرية بعد المطر، يكفي أن يلوّح صاحب المنصب بإصبعه حتى يبدأ العزف: طبولٌ لا تعرف الإيقاع، ومزامير لا تحفظ اللحن، لكنها تتقن فناً واحداً؛ تحويل الصمت إلى مديح، والفراغ إلى إنجاز، والهزيمة إلى احتفال.

أما بعض الأشخاص، فقد وجدوا أنفسهم في مسرح عبثي يشبه انتظار شخصيات مسرحية لا يأتي بطلها أبداً، يقفون على الرصيف نفسه منذ سنوات، يحملون مفاتيح بيوت بعيدة وذاكرة أثقل من حقائبهم، ويستمعون إلى خطب طويلة عن المستقبل بينما حاضرهم يزداد ضيقاً حتى صار بالكاد يتسع لكرسي مكسور وكوب شاي بارد.

بين الإسكندر الأكبر وجوقات المديح

ثقافة التهليل لا تحتاج إلى حقائق، بل إلى حناجر قوية، فكلما تعثرت السياسات ارتفع التصفيق، وكلما اتسعت الفجوة بين الوعد والواقع زادت البلاغة في وصف الإنجازات الوهمية، ولعل التاريخ يقدم درساً بليغاً في هذا السياق؛ إذ يُروى أن الإسكندر الأكبر كان يخرج إلى الجموع الغفيرة التي تنتظر إطلالته بعد كل انتصار وتوسع جديد في إمبراطوريته، فتأخذه نشوة العظمة حتى يكاد يعتقد أنه فوق البشر، لكن مستشاريه كانوا يحيطون به مرددين: «لا تنس أنك بشر… لا تنس أنك بشر»، فيستفيق من سكرة المجد ويعود إلى شيء من الاتزان، وربما كانت تلك الكلمات البسيطة سبباً في إبقائه متصلاً بالواقع، وهو ما يفتقده كثير من المحاطين اليوم بجوقات المديح التي لا تعرف سوى التصفيق.

 وحتى عندما استعصى عليه فهم الشرق، لجأ إلى الحكمة لا إلى الهتاف، فاستشار أرسطو طالباً الرأي في كيفية إخضاع شعوبه، فجاءه الجواب بأن يُفرّق بين أبناء الملوك ويغذي التنافس بينهم حتى ينشغل بعضهم ببعض، فتسهل السيطرة عليهم. وهي حكاية تذكّرنا بأن صناعة النفوذ كثيراً ما تبدأ بتفكيك الصفوف وإعلاء الأصوات التي تخدم السلطة على حساب الأصوات التي تخدم الحقيقة.

وكأننا أمام طاحونة حاربها دون كيخوتي، لكنها هنا لا تدور بالريح، بل بالكلمات المنفوخة والبيانات المنمقة. فالمطبل لا يكذب دائماً؛ أحياناً يختار نصف الحقيقة ويترك نصفها الآخر جائعاً في الشارع، يقتطع المشهد كما يشتهي، ثم يضع حوله إطاراً ذهبياً ويطالب الجميع بالإعجاب. وإذا سأله أحد عن الخراب، أجابه بثقة: «انظر إلى الطلاء الجديد على الجدار»، متناسياً أن الجدار نفسه يوشك أن يسقط، بل إن كل أزمة عنده انتصار مؤجل، وكل فشل مجرد سوء فهم، وكل سؤال مؤامرة، ولو انقطعت الكهرباء لأعلن أن الظلام مشروع وطني لترشيد البصيرة.

طاحونة الكلمات المنفوخة

المطبلون لا يحبون المرايا، لأن المرايا تكشف الحقيقة، لذلك يفضلون المباخر والشعارات اللامعة، ويلمّعون الواقع حتى يصبح زلقاً إلى درجة تسقط فيها الحقائق على الأرض، ثم يلومون الحقيقة لأنها لم تحسن الوقوف، وفي الفضاء العام يُدفع المثقف الحر إلى الهامش، بينما يتصدر المشهد من يحسن العزف على وتر الولاء، فتتحول اللغة إلى أداة للتجميل لا للكشف، والإعلام إلى مرآة مصقولة بعناية كي لا تعكس الشقوق، وإذا أشار أحد إلى الفيل الجالس في الغرفة انشغل الجميع بالحديث عن لون الستائر.

وتذكّرنا هذه المفارقة بحكاية الإمبراطور الذي خرج إلى الناس عارياً وهو يظن أنه يرتدي أفخر الثياب، بينما صفق الحاضرون خوفاً أو طمعاً، إلى أن نطق طفل بالحقيقة، غير أن المأساة هنا أن الطفل كبر، وشاخ، وما زالت الجوقة تصر على أن الثوب يزداد فخامة كلما ازداد تمزقاً.

وليس غريباً أن يتحول بعض المنتفعين إلى بهلوانات تمشي على الحبال، يبدلون مواقفهم كما يبدل الممثل أقنعته، فإذا تبدلت الريح أعلنوا أنهم كانوا أول من شعر بها. إنهم يشبهون الرجل الذي يبيع المظلات في قلب الصحراء ثم يقسم أن الطوفان على الأبواب، أو السائح الذي يلتقط صورة أمام قصر لا يملكه ثم يوزعها على الناس باعتبارها صك ملكية.

اقتصاد التطبيل وثمن التصفيق

فالتطبيل ليس مجرد هواية صوتية، بل سوق كاملة لتبادل المصالح؛ قصيدة مديح مقابل مقعد، ومنشور مليء بالمبالغات مقابل امتياز، وتصفيقة في الوقت المناسب مقابل الاقتراب من دوائر النفوذ. وهكذا يصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة، والضجيج بديلاً عن الإنجاز، وتُدار الشؤون العامة بعصي قادة الفرق الموسيقية أكثر مما تُدار بالعقل والمساءلة.

وفي هذه الأثناء يبقى المواطن العادي عالقاً بين نشرات لا تعرف سوى الأرقام الوردية وجيوب لا تعرف سوى الفراغ. يسمع عن المشاريع الكبرى كما يسمع الجائع وصف الولائم من خلف زجاج مطعم فاخر؛ يشبعه الكلام كما يشبع الرسم رغيفاً من الخبز، بينما ينشغل هو بأسئلة أكثر بساطة وإلحاحاً: كيف يدفع الإيجار؟ كيف يؤمّن الدواء؟ وكيف يحافظ على ما تبقى من كرامة لا تصدر بشأنها بيانات رسمية؟

وقديماً كان الأدب أكثر صدقاً من كثير من الخطب؛ فمن حكايات العبث إلى الرموز التي فضحت الاستبداد والزيف، ظل الكاتب الحقيقي يذكّرنا بأن الزخرفة لا تمنع السقف من الانهيار، وأن طلاء الجدران لا يعالج التشققات في الأساسات، وأن الحقيقة لا تختفي لمجرد أن الضجيج ارتفع فوق صوتها.

وفي النهاية، إذا كان العازفون يصرّون على أن الموسيقى رائعة بينما الجمهور يغادر القاعة واحداً تلو الآخر، وإذا كان بعض المزمّرين يتباهون بإنجازات لم يلمسها الناس كما يتباهى الأصلع بشعر جاره، فبأي منطق يطالبون الجميع بالتصفيق، ولأي معجزة ينتظرون أن يصدق الناس ما تكذبه حياتهم كل صباح؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *