موقع الإعلامي فايز أبو عيد

المحامي محمد عبد الجليل الكوسى.. صوت العدالة وضمير المظلومين

وُلد عام 1941 في قرية الجاعونة بقضاء صفد في فلسطين المحتلة. ومع نكبة عام 1948، هُجّرت عائلته ليستقر بها المقام في سورية، حيث نشأ وترعرع في مخيم اليرموك، حاملاً فلسطين في ذاكرته ووجدانه رغم سنوات اللجوء والاغتراب.

تلقى تعليمه في دمشق، ثم تابع دراسته الجامعية في كلية الحقوق، التي تخرج منها ليبدأ مسيرة حافلة بالعطاء والمسؤولية.

وخلال حرب تشرين التحريرية عام 1973، شارك في صفوف الجيش العربي السوري. وبحكم حيازته شهادة جامعية، أُتيح له اختيار موقع خدمته العسكرية، فتم فرزه إلى مصفاة حمص ضمن اختصاص المدفعية. وهناك سطّر موقفاً استثنائياً ظل يُروى لسنوات؛ فبعد تعرض المصفاة لغارات جوية معادية، وعندما استفسرت القيادة عن حجم الأضرار، أفاد بأن المصفاة دُمّرت بالكامل. وقد أُذيع الخبر آنذاك، لكن الحقيقة التي كُشفت بعد انتهاء الحرب كانت مختلفة؛ إذ تعمّد الضابط محمد عبد الجليل الكوسى تقديم تلك الإفادة لحماية المصفاة ومنع العدو من إعادة استهدافها. وبفضل حكمته وسرعة بديهته، نجت المصفاة من قصف جديد، فكان التكريم الرسمي تقديراً لشجاعته وحنكته في أداء الواجب.

بعد انتهاء خدمته العسكرية، التحق بوزارة المالية في دمشق، وتدرج في مواقع المسؤولية حتى تولى منصب مدير عام مالية ريف دمشق. غير أن نزاهته واستقلالية رأيه جعلتاه يختار الاستقالة في مطلع الثمانينيات، بعدما وجد أن بعض الإملاءات الحزبية لا تنسجم مع قناعاته وأمانته المهنية.

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من حياته، وجد فيها ذاته الحقيقية في مهنة المحاماة. فقد كرّس جهده للدفاع عن الفقراء والمظلومين، واشتهر بجرأته في قول الحق والوقوف إلى جانب أصحاب الحقوق دون خوف أو تردد. لذلك استحق في أروقة القصر العدلي بدمشق لقب “فارس القصر”، لما عُرف عنه من صلابة في الموقف وشجاعة في المرافعة، إذ لم يكن يخشى في الحق لومة لائم.

ولم تكن فلسطين غائبة يوماً عن وجدانه؛ فقد حمل هموم القضية الفلسطينية في مواقفه وكلماته وقصائده الشعرية، التي عبّرت عن معاناة الشعب الفلسطيني وآماله وآلام الشتات. وظلت الجاعونة وصفد وفلسطين حاضرة في نبضه حتى آخر أيامه.

رحل المحامي محمد عبد الجليل الكوسى في 30 آب 1996 في مخيم اليرموك، قبل أن يكمل رسالته النبيلة التي أفنى عمره في خدمتها. لكنه ترك وراءه سيرةً عطرة، عنوانها النزاهة والشجاعة والوفاء لفلسطين، لتبقى ذكراه حية في قلوب أبناء الجاعونة وكل من عرفه أو سمع بمناقبه.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *