موقع الإعلامي فايز أبو عيد

والدة الصحفي مهند عمر ترثي ابنها: “ماتت الكلمات في حنجرتي”

فايز أبو عيد

ليست الكلمات التي خطّتها والدة الصحفي الفلسطيني مهند عمر على صفحتها في الفيس بوك، مجرد رثاء لابن غاب في دهاليز الموت، بل شهادة إنسانية تُدين زمناً اعتقد جلادوه أن السجون قادرة على دفن الحقيقة، وأن الجدران الإسمنتية تستطيع أن تخنق الذاكرة إلى الأبد، غير أن الأمهات لا يكتبن أبناءهن بالحبر، بل بالدمع، ولا يحفظن أسماءهم في دفاتر النسيان، إنما في قلوب لا تعرف سوى الانتظار.

في السادس من آب/أغسطس 2013، لم يُعدم مهند عمر في سجن صيدنايا وحده، بل أُعدم معه حلم أم كانت تنتظر أن تسمع وقع خطواته على عتبة البيت، وأُطفئت حياة شاب كان يحمل قلمه كما يحمل إيمانه بوطن أكثر عدلاً وحرية، لم يكن ذلك اليوم تاريخاً عابراً، بل لحظة تجمد فيها الزمن في قلب أم، وما زال حتى اليوم يرفض أن يتحرك.

حين يعجز الوجع عن الكلام

الصحفي الفلسطيني مهند عمر
الصحفي الفلسطيني مهند عمر

كتبت والدتهماتت الكلمات في حنجرتي، وتوقف الزمن في عروقي.“، آه ما أقسى أن تبلغ الأم مرحلة تعجز فيها اللغة عن حمل وجعها، فمنذ أن تحولت المعتقلات السورية إلى مصانع للموت، صار الفقد لغة يومية لعائلات لا تزال تنتظر أبناءها بين رجاء لا يموت، وخبر يخشون سماعه في كل لحظة.

لم يكن صيدنايا سجناً كما تعرفه القوانين، بل مكاناً سُلبت فيه الحياة من معناها، وغابت فيه العدالة خلف أبواب الحديد، هناك لم يُحرم المعتقلون من حريتهم فحسب، بل حُرمت الأمهات من عناق الوداع، والآباء من حق دفن أبنائهم، والأطفال من أن يكبروا وفي ذاكرتهم ملامح آبائهم، لا صورهم الباهتة.

ولم يكن مهند عمر اسماً عابراً في قوائم الضحايا، ولا رقماً يُضاف إلى سجل طويل من المفقودين. كان صحفياً فلسطينياً سورياً، وُلد في دمشق عام 1985، وحمل منذ سنواته الأولى شغف الكلمة ومسؤولية الحقيقة. تنقّل بين مؤسسات وصحف ووسائل إعلام عدة، قبل أن تدفعه الثورة السورية إلى الانحياز لما رآه حقاً، فشارك في توثيق الأحداث، ونقل معاناة السوريين والفلسطينيين في المخيمات، مؤمناً بأن الكلمة الحرة ليست مهنة فحسب، بل موقف أخلاقي.

وحين أدرك أن الأجهزة الأمنية للنظام البائد تلاحقه، حاول مغادرة سوريا، إلا أن كميناً أُعدّ له انتهى باعتقاله في التاسع والعشرين من شباط/فبراير 2012، ومنذ تلك اللحظة، انقطعت أخباره، وبقيت عائلته تتشبث بخيط رفيع من الأمل، حتى تأكد لاحقاً أنه أُعدم في سجن صيدنايا في السادس من آب/أغسطس 2013، بعد أن ظل اسمه سنوات بين المفقودين، في واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ المعتقلات السورية.

هذه ليست حكاية مهند وحده، بل حكاية آلاف الشبان السوريين والفلسطينيين الذين دخلوا السجون بأحلامهم، ولم يخرجوا منها إلا أسماءً في قوائم الضحايا. إنها قصة وطن خسر أبناءه، وأمهات ما زلن يطرقن أبواب العدالة بعدما أوصدت في وجوههن أبواب الزنازين.

عزاء يليق بالإيمان

في كلمات والدته عزاء يليق بالإيمان، لكنه لا يكفي لإغلاق ملف الجريمة، فالرحمة التي ترجوها لابنها لا تُسقط حقه، والصبر الذي تتسلح به لا يعفي العالم من مسؤوليته الأخلاقية والقانونية. فجرائم الإعدام خارج القانون، والإخفاء القسري، والتعذيب حتى الموت، ليست أحداثاً تُطوى بمرور الزمن، بل انتهاكات لا تسقط بالتقادم، وستبقى شاهدة على مرحلة سوداء في تاريخ سوريا.

سيبقى السادس من آب موعداً يتجدد فيه الوجع، لكنه سيبقى أيضاً شاهداً على أن الضحايا لم يغيبوا. فالأسماء التي حاول السجّانون دفنها في ظلام الزنازين، خرجت إلى الضوء، وصارت جزءاً من ذاكرة شعب يرفض أن يتحول أبناؤه إلى أرقام، أو أن تُختزل حياتهم في شهادة وفاة.

ولعل أصدق ما يُختتم به هذا الألم، كلمات والدته فاطمة لوحيد، المنسقة العامة لحملة الكشف عن مصير المعتقلين والمغيبين الفلسطينيين في سجون النظام السوري السابق، حين نعت ابنها قائلة: “يا ابني… يا ريحة عمري وحكاية قلبي اللي ما اكتملت… دمّك أمانة برقبتنا… وحكايتك ما رح تنطوي… ولادنا مو أرقام… ولادنا قلوب انطفَت ظلم… ما رح نسكت… وما رح ننسى.”

ولن تُنسى حكاية مهند، كما لن تُنسى حكايات آلاف الضحايا الذين ما زالت أمهاتهم يكتبن أسماءهم بالدموع، بانتظار عدالة تعيد للضحايا بعضاً من حقهم، وللوطن شيئاً من كرامته.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *