موقع الإعلامي فايز أبو عيد

مخيم اليرموك.. حين صار الخبز حلماً

فايز أبو عيد

لم يكن الحصار بالنسبة إلى أبناء مخيم اليرموك مجرد إغلاق للطرق أو منعٍ لدخول المساعدات؛ كان سنواتٍ كاملة من الانتظار والخوف والجوع، تحوّل فيها الحصول على رغيف خبز إلى معركة يومية، وأصبح الطريق إلى الحاجز أقصر من الطريق إلى الموت.

من قلب المخيم، يروي “م” أحد أبنائه – فضل عدم ذكر اسمه – شهادته عن تلك السنوات التي عاشها الفلسطينيون والسوريون تحت وطأة الحصار والاقتتال. يقول: تعبت من أن أصرخ… من يتحدث عن ربطة خبز تُحسب رغيفاً رغيفاً؟ عن أرغفة تُجمع وتُكدّس، ثم تُرمى على الأرض بلا رحمة؟

بدأ الحصار المشدد على مخيم اليرموك مطلع عام 2013، وترافق مع إغلاق مداخل المخيم وتقييد وصول الغذاء والدواء والمياه، وبحلول عام 2015، كانت الأمم المتحدة تتحدث عن نحو 18 ألف مدني محاصر داخل اليرموك ومحيطه، بينهم 3500 طفل، يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والمياه والرعاية الصحية، وفي عام 2014، قالت الأونروا إن المساعدات الغذائية التي تمكنت من إيصالها منذ دخولها المخيم لم تغطِّ أكثر من 25% من الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية للسكان.

أما مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية، فوثقت حتى مارس/آذار 2018 وفاة 205 لاجئين فلسطينيين نتيجة نقص التغذية والرعاية الطبية بسبب الحصار، غالبيتهم في مخيم اليرموك، فيما كان الحصار قد دخل عامه الخامس تقريباً.

«كنت أحمل طفلي وأنتظر»

يستعيد “م” مشاهد الطوابير الطويلة أمام الحواجز وملامح الحزن ترتسم في عينية قائلاً: كنت أحمل طفلي بين ذراعيّ وأقف في طابور بارد وطويل، كنت أتساءل: هل سأتمكن من عبور الحاجز؟ أم سأعتقل؟

كان الحصول على ربطة خبز يحتاج إلى ساعات من الانتظار، فيما لم تكن العودة إلى المنزل مضمونة، وفي تلك الأيام، لم يعد الطعام سلعة عادية؛ صار كل كيلوغرام من الأرز أو السكر حلماً، وكل رغيف خبز محسوباً بعناية داخل البيوت.

يردف “م”: كانت الأرض مغطاة بأرغفة الخبز والسكر والأرز، كنت أرى الطعام يُرمى أمام أعيننا، بينما كنا نبحث عن لقمة تسد جوع أطفالنا».

لم يكن الجوع وحده هو الوجه الأقسى للحصار، فمع انقطاع الإمدادات ونقص الرعاية الطبية، تدهورت الأوضاع الصحية، بينما وثقت الأمم المتحدة أن المدنيين داخل المخيم لم يكونوا قادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والماء والرعاية الصحية.

وجع الانتظار

يقول “م” إن سنوات اللجوء الطويلة لم تكن أثقل من تلك اللحظات التي كان يقف فيها أمام الحاجز، محاولاً تأمين الطعام لعائلته: سبعون عاماً من اللجوء لا تعدل لحظة واحدة أمام ذلك الحاجز؛ هناك تُحبس الأنفاس ويذوب الأمل، لا أحد يشعر بما كنا نعيشه.

ثم يغادر اليرموك، لكن الحصار لا يغادره، يتذكر لحظة وصوله إلى مدينة بعلبك اللبنانية، حين اشترى ربطة خبز، فانهمرت دموعه: بكيت عندما اشتريت ربطة الخبز، لم يكن السبب أن الخبز غالٍ، بل لأنني تذكرت أن هناك أهلاً وأصدقاء ما زالوا في اليرموك، وأن رغيفاً واحداً كان يمكن أن يعني الكثير لطفل أو مسنّ هناك.

205 ضحايا الجوع ونقص الرعاية

لم تكن هذه الشهادة حالة فردية، فالأرقام التي وثقتها مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا ترسم جانباً من الكارثة؛ إذ بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين قضوا نتيجة نقص التغذية والرعاية الطبية بسبب الحصار 205 أشخاص حتى مارس/آذار 2018، فيما وثقت المجموعة آلاف الضحايا الفلسطينيين في سورية لأسباب متعددة خلال سنوات الحرب.

وفي إحدى أكثر مراحل الحصار قسوة، قالت الأونروا إن نحو 20 ألف مدني كانوا يعتمدون على المساعدات، وإن الوكالة لم تتمكن في أبريل/نيسان 2014 من توزيع الغذاء داخل المخيم لمدة عشرة أيام متتالية، ما جعل السكان يواجهون خطر نفاد الغذاء بالكامل.

جوعٌ لم يقتل الكرامة

ورغم قسوة الحصار، لم يتخلَّ أبناء المخيم عن بعضهم، ظهرت مبادرات أهلية لتأمين الطعام وتوزيعه، وتحوّل التكافل إلى وسيلة للبقاء، كان السكان يتقاسمون ما يتوفر لديهم، ويبحثون عن كل وسيلة ممكنة للصمود في وجه الجوع والخوف.

يستطرد “م”: كنا نأكل ما نستطيع كي نبقى على قيد الحياة، لم يكن الأمر يتعلق بالطعام فقط؛ كنا نحاول أن نحافظ على كرامتنا.

كان اليرموك، الذي كان قبل الحرب أحد أكبر تجمعات اللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين، يتحول تدريجياً إلى مساحة محاصرة تتناقص فيها مقومات الحياة. وفي يوليو/تموز 2014، استأنفت الأونروا توزيع الغذاء داخل المخيم بعد توقف دام ستة أسابيع، في مشهد عكس حجم الكارثة الإنسانية التي عاشها السكان.

اليوم، لا يتحدث أبناء اليرموك عن الحصار بوصفه صفحة من الماضي فحسب. فبالنسبة إلى من عاشوا تلك السنوات، ما زال طابور الخبز حاضراً، وما زالت الحواجز والبيوت الخالية والوجوه التي غابت تختصر حكاية جوعٍ طويل.

يتابع “م” وهو ينظر إلى الأرض: هذه ليست مجرد ذكرى، هناك أناس ما زالوا يحملون آثار تلك السنوات، نريد أن يعرف العالم ماذا حدث في اليرموك، وأن تُسمع أصوات من عاشوا الحصار.

في مخيم اليرموك، لم يكن الجوع مجرد نقص في الطعام، كان اختباراً يومياً للقدرة على البقاء، وذاكرةً ثقيلةً لأناس وجدوا أنفسهم محاصرين بين الحرب والحاجز ورغيف الخبز.

ولذلك، فإن شهادات الناجين ليست مجرد روايات شخصية؛ إنها جزء من ذاكرة جماعية لمخيمٍ دفع ثمناً باهظاً للحرب، وما زال أبناؤه يطالبون بأن تُسمع قصتهم، وأن تبقى معاناة المحاصرين موثقة في وجه النسيان.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *