موقع الإعلامي فايز أبو عيد

مأساة جساس … وليد سيف يعيد مساءلة التاريخ من بوابة الإنسان

فايز أبو عيد

لا يعود الكاتب والروائي الدكتور وليد سيف في روايته الجديدة «مأساة جساس» إلى حرب البسوس بوصفها واحدة من أشهر الوقائع في المروية العربية فحسب، بل يعود إليها باعتبارها نصاً مفتوحاً على أسئلة لم يفقدها الزمن راهنيتها.

 فالحرب التي استقرت في الوعي الشعبي بوصفها نزاعاً اندلع بسبب مقتل ناقة، يستعيدها وليد سيف، – كما يوضح في كلمة الغلاف الخلفي لروايته – بوصفها تراجيديا إنسانية تتجاوز أسبابها المباشرة، لتغدو تأملاً في العلاقة الشائكة بين العدالة والسلطة، وبين الحق الذي ينشد الانتصار، والعنف الذي لا يلبث أن يلتهم الجميع.

هذه ليست المرة الأولى التي يكتب فيها وليد سيف الماضي ليقول شيئاً عن الحاضر، فمن يتأمل مشروعه الأدبي يدرك أنه لا يستحضر الشخصيات التاريخية بوصفها شخوصاً غابرة، بل باعتبارها وجوهاً أخرى للإنسان العربي المعاصر، المثقل بالخيبات والأسئلة والهزائم المؤجلة، وكأن التاريخ، في كتابته، لا يُقرأ من الخلف، بل يُستعاد ليضيء ما نعيشه اليوم، ويكشف أن التراجيديا لا تتبدل كثيراً، مهما تبدلت الأزمنة والأسماء.

لهذا يواصل الكاتب الفلسطيني مشروعه القائم على إعادة مساءلة التاريخ، لا باعتباره أرشيفاً للأحداث، وإنما باعتباره نصاً ظل مفتوحاً على التأويل، اختلطت فيه الوقائع بما راكمته المخيلة الشعبية، وضاعت فيه أسباب الصراعات تحت ركام الحكايات المتوارثة.

 وما يبدو في المدونات التاريخية رواية مكتملة، يعيد وليد سيف تفكيكه وإعادة تركيبه بمنطق إنساني وشعري، يمنح الشخصيات دوافعها، ويستعيد للتاريخ تعقيده الذي كثيراً ما اختزلته السرديات الشائعة.

في «مأساة جساس»، لا يقف الكاتب عند حدود إعادة سرد وقائع حرب البسوس، بل يعيد تفكيك الرواية المؤسسة لها، كاشفاً عن طبقات من الصراع السياسي والاجتماعي والقبلي التي حجبتها الحكاية المتداولة عبر القرون، فالحرب هنا ليست نتيجة حادثة عابرة، بل حصيلة تراكم طويل من الاختلالات، حيث يتداخل الظلم مع الثأر، والحق مع العصبية، حتى يفقد الصراع معناه الأول، ويتحول إلى آلة لا تنتج سوى المزيد من الضحايا.

بهذا المعنى، يقترب النص من التراجيديات الإنسانية الكبرى على مر العصور، حيث لا ينقسم العالم إلى أخيار وأشرار، وإنما إلى شخصيات محاصرة بقدرها التاريخي، تحاول الدفاع عن قناعاتها، لكنها تجد نفسها، من حيث لا تدري، شريكاً في صناعة المأساة، وهي مقاربة تجعل الرواية أقرب إلى مساءلة فلسفية لمفهوم العدالة منها إلى إعادة إحياء ملحمة تراثية.

ويبرز جساس، في قراءة وليد سيف، بعيداً عن الصورة التي كرستها السرديات الشعبية، فلا يظهر باعتباره القاتل الذي أشعل حرباً طويلة، بل إنساناً تمرد على واقع رآه ظالماً ومجحفاً، وسعى إلى انتزاع حق اعتقد أنه مشروع، قبل أن تتحول قضيته نفسها إلى جزء من صراع أكبر من إرادته، إنها الشخصية التي تبدأ باحثة عن العدالة، وتنتهي أسيرة للعنف الذي أرادت مقاومته، في مفارقة تمنح الرواية بعدها التراجيدي العميق.

لا يبحث الكاتب عن تبرئة أبطاله أو إدانتهم، بقدر ما ينشغل بتعرية الآليات التي تدفع المجتمعات إلى إعادة إنتاج مآسيها، فحين تتغلب العصبية على العدالة، وتذوب إرادة الفرد داخل الجماعة، تختلط الحدود بين الضحية والجلاد، ويصبح الجميع، كما يوحي النص، قاتلاً ومقتولاً في الوقت نفسه.

من نافل القول: إن أهم ما تمنحه رواية «مأساة جساس» لقارئها أنها تفكك يقيناً استقر طويلاً في الوعي العربي، وتستبدله بأسئلة مفتوحة على مصراعيها، فالرواية لا تعيد كتابة التاريخ بقدر ما تعيد مساءلته، وتؤكد أن الملاحم الكبرى لا تبقى حية لأنها تحفظ الماضي، بل لأنها تملك القدرة على تفسير الحاضر.

 وبناء على ما سبق تبدو الرواية امتداداً لمشروع وليد سيف الأدبي، الذي يجعل من السرد أداةً لإعادة التفكير في التاريخ، ومن التاريخ وسيلةً لفهم الإنسان، وهو يكرر مآسيه، ويطارد أحلام العدالة التي كثيراً ما تنتهي، مرة بعد أخرى، إلى المصير نفسه.

وعلى ما يبدو أن ما كتبه علي حسين إبراهيم في مقالته «وليد سيف.. حين ينطق التاريخ بلسان الدراما والرواية»، المنشورة في مدونات الجزيرة بتاريخ 23 أبريل/نيسان 2026، يلخص جانباً مهماً من تجربة وليد سيف الإبداعية، حين يقول: «من أبرز ملامح عبقريته في معالجة الشخصيات التاريخية، تحرره من نزعة التمجيد التي طبعت كثيراً من الكتابات التاريخية والأعمال الدرامية، مقدماً شخصياته بوصفها كائنات إنسانية، لا أيقونات معصومة».

يُعدّ الدكتور وليد إبراهيم أحمد سيف (مواليد 19 يناير/كانون الثاني 1948) واحداً من أبرز الأسماء الفلسطينية في الأدب والدراما العربية، جمع في مسيرته بين الشعر والرواية والنقد والبحث الأكاديمي، إلى جانب حضوره اللافت ككاتب للدراما التلفزيونية والمسرح.

وُلد في مدينة طولكرم بالضفة الغربية، قبل أن ينتقل إلى الأردن حيث واصل دراسته ومسيرته الأكاديمية، فيما كرّس جانباً كبيراً من مشروعه الإبداعي لإعادة قراءة التاريخ العربي والإسلامي برؤية إنسانية وفكرية. وقد ارتبط اسمه بأعمال درامية شكلت محطات بارزة في تاريخ الدراما العربية، من بينها التغريبة الفلسطينية، وصلاح الدين الأيوبي، والثلاثية الأندلسية، وعمر، ليغدو أحد أهم كتّاب الدراما التاريخية في العالم العربي.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *