
فايز أبو عيد
في الريف الغربي لمحافظة درعا السورية قرب بلدة تل شهاب 17 كم غرب مدينة درعــا، حيث تختلط تربة الحمص الحمراء باخضرار أشجار الكينا والزيتون، تقع منطقة نبع الفوار، التي لا تختلف في طبيعتها الريفية الساحرة عن أجمل الريف البريطاني، كما يصفها أبناؤها. هنا، بين حقول العنب والبندورة ومرابع تربية الأبقار، تعيش جالية فلسطينية صغيرة، حاملة معها ذاكرة النكبة ورواية التهجير، متشبثة بالأرض والكرامة وسط ظروف معيشية صعبة.
جذور من الجولان وفلسطين
تتراوح أعداد العائلات الفلسطينية في نبع الفوار بين 15 إلى 20 عائلة، يتجاوز عدد أفرادها المائة نفر، وفقاً لأحد أبناء المنطقة، وتتنوع أصول هذه العائلات بين مهجرين من الجولان السوري المحتل منذ عام 1967، وآخر قادمين من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948.
من بين هذه العائلات عائلة “الميساوي” و”النميري” و”السيّاد” ، وتشكل عائلة “النميري” نموذجاً للتمازج والتشابك، حيث يتوزع أفرادها بين سوريا وفلسطين، فبعضهم يرجع بأصله إلى الجولان والبعض الآخر إلى فلسطين، لكن الرابط بينهم جميعاً هو التآخي والمحبة.

حياة الفلسطينين بين التعليم والعمل
تعتمد الأسر الفلسطينية في نبع الفوار بشكل رئيسي على الزراعة وتربية المواشي كمصدر للرزق، إضافة إلى بعض الأعمال الحرة.
وتعد تربية الأبقار مصدراً رئيسياً لإنتاج الأجبان والألبان التي يتم بيعها في الأسواق المحلية، إلى جانب إنتاج الخضار.
وعن واقع التعليم، يقول أبو بكر الميساوي (55 عاماً): “التعليم هنا يشكل تحدياً كبيراً، لا يوجد في نبع الفوار سوى مدرسة ابتدائية واحدة، مما يضطر الطلاب بعد انتهاء هذه المرحلة إلى السفر إلى بلدة تل شهاب المجاورة لإكمال تعليمهم، ولعل الظروف الصعبة والنزوح جعلت الكثير من العائلات تفضل إشراك أبنائها في العمل المبكر لمساعدة الأسر بدلاً من تحمل أعباء التعليم وتكاليفه”.
المرأة الفلسطينية في نبع الفوار
يتميز المجتمع المحلي في نبع الفوار بمنح المرأة حرية كبيرة ومشاركة فاعلة في سوق العمل، خلافاً لبعض المجتمعات المحافظة المجاورة.
فالمرأة هنا تذهب وتعمل دون قيود، وتساهم بشكل أساسي في دخل الأسرة، سواء في العمل الزراعي أو في تربية المواشي أو في بعض الورشات الصغيرة.
تقسم أم سند النميري (48 عاماً): “نحن نساعد أزواجنا في كل شيء، في الحقل، في رعاية الأبقار، في صناعة الجبن. الحياة تطلب منا أن نكون أقوياء، ربينا أبناءنا على حب الأرض والعمل، وأن التعليم مهم، ولكن ظروف الحرب والقهر جعلت التركيز على سد الحاجة هو الأولوية”.

عطش في أرض الوفرة
تعاني منطقة نبع الفوار، مثل غيرها في محافظة درعا، من أزمة مائية حادة نتيجة تراجع مناسيب المياه الجوفية بسبب الجفاف وانتشار الآبار المخالفة، مما أدى إلى جفاف العديد من الينابيع التي كانت تروي المنطقة وأراضيها الخصبة.
يشتري سكان البلدة، بما فيهم الفلسطينيون، الماء من الصهاريج بأسعار باهظة، تصل تكلفة الصهريج الواحد (إلى نحو 200 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم العائلات.
يعبر أبو محمد النميري (60 عاماً) عن هذا المأساة بقوله: “من الظلم أن نشتري المياه وبلدنا غنية بالمياه العذبة والصحية. نبع الفوار كان يروي كل هذه المنطقة، لكن الإهمال والتعديات عليه جعلته يغور، نحن كفلسطينيين نعرف معنى العطش ومعنى أن تسلب منك المياه والأرض، فهذه ذاكرتنا التي ورثناها عن أجدادنا في فلسطين”.
يواجه الفلسطينيون في نبع الفوار، كغيرهم من السوريين والفلسطينيين في سوريا، تحديات معيشية هائلة، من غلاء المعيشة، وتردي الخدمات، وشح المياه، وصعوبة الوصول إلى التعليم الجيد، لكنهم، وبقوة إرادتهم التي ورثوها عن أجدادهم، يواصلون الصمود، متمسكين بالأرض التي آوتهم، وحاملين في قلوبهم أمل العودة إلى الأرض التي شردوا منها.

