
فايز أبو عيد
بعد سقوط النظام، في قلب ريف درعا الغربي، تحديداً في بلدة جلين التي تعتبر ملكية أراضيها بكاملها من أملاك الوقف، يعيش الفلسطينيون أزمة معيشية طاحنة تتفاقم يومًا بعد يوم، تتعلق بأراضٍ زراعية بسيطة حول المخيم، لا تتجاوز مساحة أكبرها أربعة دونمات.
هذه الأراضي، التي كانت تشكل مورد رزق لعشرات العائلات الفلسطينية، تحولت إلى عبء مالي ثقيل بعد قرارات رفع الإيجارات من قبل وزارة الأوقاف السورية، في وقت يتزامن مع أزمة اقتصادية خانقة تعصف بالبلاد.
خلفية تاريخية
تعود جذور الأزمة إلى طبيعة ملكية الأراضي في جِلين، حيث تؤكد المصادر المحلية أن جميع أراضي البلدة تعتبر من أملاك الوقف، التابعة لوزارة الأوقاف.
ورغم أن بعض العائلات السورية قامت بشراء أراضٍ ضمن البلدة منذ عام 1994، إلا أن الفلسطينيين ظلوا على الدوام مستأجرين لهذه الأراضي بموجب عقود إيجار وضمان، لم يسبق أن تم فيها بيع أي شبر من الأرض للفلسطينيين.
ويوضح أهالي المخيم أن نظام الإيجار كان يعتمد على سعر رمزي للدونم الواحد، كان الهدف منه تمكين العائلات الفلسطينية من استثمار هذه الأراضي لتأمين قوت يومها، خاصة وأن معظمهم لا يعملون في وظائف حكومية ويعتمدون بشكل كامل على الزراعة.
فقد عمل الأهالي طوال سنوات على تشجير أراضيهم بأشجار الزيتون والرمان، وهي المحاصيل التي تشتهر بها المنطقة، لتصبح مصدر دخل أساسي لهذه العائلات.
التصعيد بعد التحرير
شهدت الفترة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد تحولاً جذرياً في سياسة التعامل مع هذه الأراضي. فبعد أشهر قليلة من التحرير، تم استدعاء كل من الضامنين السوريين والمستأجرين الفلسطينيين من قبل مديرية الأوقاف في درعا، بتوجيه من الوزارة.
والمفاجأة التي فاجأت الجميع كانت قراراً برفع الإيجارات بشكل غير مسبوق.
فبعد أن كان الإيجار السنوي يقدر بـ 4000 إلى 5000 ليرة سورية للدونم الواحد قبل عام 2018، وارتفع لاحقاً إلى 16000 ليرة، قفز السعر بشكل صاروخي ليصبح:
- 500 ألف ليرة سورية للدونم الواحد المروي.
- 250 ألف ليرة للدونم غير المروي (البعل).
وهذا يعني أن العائلة التي تستأجر أربعة دونمات كانت تدفع في السابق حوالي 64 ألف ليرة سنوياً، أصبحت اليوم ملزمة بدفع مبلغ يصل إلى مليوني ليرة سورية، أي بزيادة تجاوزت 100 ضعف، ويصف الأهالي هذا المطلب بأنه “غير منطقي” ولا يتناسب مع الواقع الاقتصادي المتردي.
لجان شعبية ورفض للتثبيت
مع تصاعد الأزمة، شكل الفلسطينيون لجاناً شعبية وتحركوا نحو مديرية الأوقاف لمتابعة الموضوع.
لكن جهودهم اصطدمت بجدارين:
- رفض وزارة الأوقاف الإبقاء على الأراضي بنظام الأجرة القديم، مع التشديد على تحصيل الإيجارات الجديدة.
- رفض تمليك أو تطويب الأراضي للفلسطينيين، استناداً إلى القانون السوري الذي يمنع غير السوريين من تملك الأراضي في البلاد، خاصة وأن معظم هذه الأراضي هي أوقاف إسلامية، بينما تم استثناء السوريين الذين امتلكوا أراضي منذ العام 1994 عندما قاموا بشرائها بأسعار رمزية، وشرعوا اليوم بإجراءات التطويب والتسجيل من قبل اللجان المختصة.
واقع مزرٍ
ما يزيد الأزمة تعقيداً هو طبيعة الأراضي الزراعية نفسها، فوفقاً للأهالي الذين تحدثوا للموقع، تقع معظم هذه الأراضي على أطراف بلدة جِلين، وتحديداً على “شفا الوادي”، وهي أراضٍ ذات إنتاجية ضعيفة وتعتمد بشكل كبير على الأمطار (بعلية)، ولا تتوفر فيها مصادر ري كافية.
ويؤكد المزارع الفلسطيني أبو محمد 65 عاما قائلاً: “هذه الأراضي ليست الخصبة التي يتصورها البعض.. هي بالكاد تكفي لتأمين مؤونة البيت من خضار وزيتون.كنا نعتبرها مخزوناً استراتيجياً لعائلتنا في مواجهة الغلاء، لكن اليوم أصبحت خسارة تلو الأخرى.
ويتابع: “الدفع مليونين ليرة للإيجار، إضافة إلى أسمدة ومحروقات، يعني أننا نعمل لنخسر”.
ويحذر الأهالي من أن استمرار هذه السياسة سيدفعهم لترك أراضيهم، ما سيؤدي إلى تدهورها وزيادة التصحر فيها، خاصة في ظل ظروف الجفاف ونقص اليد العاملة والمياه التي تعاني منها البلاد.
مخاوف مستقبلية
يصر الفلسطينيون في جِلين على أن مشكلتهم الأساسية ليست في التملك (الذي يعرفون أن القانون يمنعه)، ولكن في رفع الإيجارات الجائر الذي لا يراعي الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويتساءل الأهالي: كيف يطلب من عائلة لا مورد لها سوى هذه الدونمات الأربع، أن تدفع إيجاراً يساوي أضعاف دخلها السنوي؟
كما تبرز قضية إضافية، وهي أن بعض العائلات الفلسطينية، وعلى مدى عقود، قامت ببناء منازلها على بعض هذه الأراضي، وأصبحت اليوم مضطرة لدفع إيجارات عن الأراضي التي تسكنها وتزرعها في آن واحد، مما يهدد استقرارهم السكني والمعيشي.
ويوجه الأهالي نداءً إلى وزارة الأوقاف السورية، مطالبين إياها بـ “إعادة النظر في قرار رفع الإيجارات”، والاكتفاء بمبالغ رمزية تتناسب مع القدرة الشرائية للفلسطينيين في المخيم، والسماح لهم بالاستمرار في زراعة أراضيهم التي تعتبر مصدر قوتهم الوحيد، خاصة ولاسيّما أن معظمهم لا يملك مهنة أخرى سوى الزراعة.
أزمة تهدد النسيج الاجتماعي
وتشكل أزمة الأراضي الزراعية اليوم الهاجس الأول والأساسي لأهالي مخيم جِلين الفلسطينيين، فهي ليست مجرد قضية إيجارات، بل هي قضية بقاء واستمرار لمجتمع بأكمله يعتمد على الأرض كمصدر وحيد للحياة.
ومع غياب أي حلول بديلة، يبقى ملف أراضي جِلين قنبلة موقوتة تهدد استقرار المنطقة، وتستدعي تدخل حكومياً مرناً يراعي البعد الإنساني والاجتماعي قبل أي اعتبارات مالية.
