
فايز أبو عيد
ليس التفوق الدراسي الفلسطيني ظاهرة جديدة، وليس من الصعب العثور على قصص فلسطينية كثيرة عن طلاب حصدوا المراتب الأولى في مدارسهم وجامعاتهم، أو عن عائلات جعلت من التعليم واحداً من أهم وسائل الصمود في مواجهة اللجوء والاقتلاع وضيق الحياة.
لكن ما يستحق التوقف عنده اليوم هو أن هذه الظاهرة لا تبدو عابرة أو مرتبطة بحالات فردية متفرقة، بل تتكرر عاماً بعد عام، وتتخذ في بعض السنوات أبعاداً لافتة على مستوى النتائج العامة في سوريا.
في عام 2026، جاءت الأرقام لتعيد طرح السؤال بقوة: لماذا يواصل الطلبة الفلسطينيون في سوريا تسجيل هذا الحضور اللافت في قوائم المتفوقين، رغم عقود من اللجوء، وما حملته الحرب السورية من قتل ودمار ونزوح وتهجير، وما عاشته المخيمات الفلسطينية من ظروف قاسية؟
في نتائج التعليم الأساسي، تصدرت الطالبة الفلسطينية سنا زاهر مصيبص، من أبناء مخيم النيرب في حلب، النتائج بعد حصولها على العلامة الكاملة، فيما سجل طلبة فلسطينيون آخرون حضوراً متقدماً في نتائج الثانوية العامة، كان في مقدمتهم محمد سامر السباعي، ابن مخيم العائدين في حماة، الذي حصل على المرتبة الأولى على مستوى سوريا بمعدل 100%، إلى جانب رؤى باكير من مخيم اليرموك، التي حلت في المرتبة الثانية بمجموع 2399 من أصل 2400.
ولم تتوقف القائمة عند هذين الاسمين، بل ضمت مجموعة من الطلبة الفلسطينيين من مخيمات ومناطق مختلفة، بمعدلات مرتفعة قاربت في عدد من الحالات 100%.
هذه الأرقام لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد أخبار نجاح مدرسية، إنها، في جانب منها، تعبير عن علاقة خاصة بين الفلسطيني والتعليم؛ علاقة تشكلت في ظروف تاريخية قاسية، ثم وجدت في سوريا بيئة استضافت اللاجئين الفلسطينيين وأتاحت لأجيال منهم الوصول إلى التعليم والعمل والحياة العامة.
التعليم خطٌّ أحمر
بالنسبة إلى كثير من العائلات الفلسطينية، لم يكن التعليم ترفاً يمكن تأجيله إلى أن تتحسن الظروف، ولعل هذه الفكرة تظهر بوضوح في شهادة المدرّس أبو بركان خليل أطرير، البالغ اليوم 75 عاماً، وهو مدرس للغة العربية، وُلد في فلسطين ونشأ في مدينة الخليل، ودرس في مدارسها، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى الأردن ثم إلى سوريا، حيث واصل مسيرته التعليمية، ودرّس في مدارس الأونروا في محافظة درعا، ولا سيما في مدارس قدس وطبرية وعين كارم.
يتذكر أبو بركان كيف أن التعليم، حتى في أصعب الظروف التي عاشها الفلسطينيون في فلسطين، كان حاضراً باعتباره ضرورة لا يجوز التخلي عنها، ويستعيد من تجربته في الخليل ظاهرة ” أوراق العمل ” التي لجأ إليها المعلمون عندما كانت الظروف والحصار تؤدي إلى توقف الدراسة وتعطل وصول الطلاب إلى مدارسهم.
فقد كان المعلمون يعدّون أوراق العمل للطلاب، ويوصلونها إليهم بوسائل مختلفة، أحياناً من بيت إلى بيت، وأحياناً في ظروف بالغة الصعوبة، حتى لا تنقطع صلة الطالب بالتعليم.
ويروي أبو بركان أن المعلمين كانوا حريصين على استمرار العملية التعليمية رغم الحصار والظروف التي فرضها الاحتلال، وأن ” أوراق العمل ” كانت واحدة من الوسائل التي ساعدت على إبقاء الطلاب على تماس مع دروسهم.
ما يبدو اليوم ممارسة تربوية عادية في بعض المدارس، كان في ذلك الوقت شكلاً من أشكال المقاومة التعليمية، ومحاولة لمنع الحرب والحصار من قطع الصلة بين الطالب وكتابه ومدرسته.
ولعل المفارقة أن ما ولد من رحم الضرورة في تلك الظروف الفلسطينية أصبح لاحقاً جزءاً من الأدوات التعليمية التي تستخدمها مؤسسات التعليم، ومن بينها وكالة الأونروا.
وهنا يمكن فهم التفوق الفلسطيني ليس باعتباره نتيجة لقدرة فردية فقط، وإنما بوصفه نتاجاً لثقافة اجتماعية ترى في التعليم وسيلة لحماية المستقبل.
من النيرب إلى درعا
تكشف نتائج عام 2026 أيضاً عن جغرافيا واسعة للتفوق الفلسطيني، فالمتفوقون لا ينتمون إلى مخيم واحد، ولا إلى مدينة واحدة، فهناك أبناء النيرب واليرموك والعائدين في حماة والسيدة زينب وخان دنون وحندرات، إلى جانب فلسطينيين يعيشون في مدن وبلدات سورية مختلفة.
وهذا يقودنا إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية: الوجود الفلسطيني في سوريا لم يعد محصوراً في المخيمات المعروفة فقط.
في درعا، على سبيل المثال، تتركز مدارس الأونروا في مناطق محددة، بينها مخيم درعا والمزيريب وجلين، لكن الوجود الفلسطيني يمتد إلى مناطق وبلدات أخرى، بينها القنيطرة وبلدات في ريف درعا، حيث يعيش فلسطينيون بأعداد متفاوتة، فيما لا تتوفر في كثير من هذه المناطق مدارس تابعة للأونروا.
ومع اتساع هذا الانتشار، يصبح التعليم أحد أكثر الملفات التي تحتاج إلى إعادة النظر،فالمدرسة التي كانت كافية لجيل سابق قد لا تكون كافية اليوم لجيل يعيش في مناطق جديدة، والطالب الفلسطيني الذي يعيش خارج المخيم يحتاج إلى فرص تعليمية لا تقل جودة عن تلك المتاحة داخل المخيم.
الأونروا.. عامل استقرار
من الخطأ أن نقرأ ظاهرة التفوق الفلسطيني بعيداً عن المؤسسات التي تولّت تعليم أجيال من اللاجئين، وهنا يأتي دور الأونروا، فقد شكلت مدارس الوكالة على مدى عقود بيئة تعليمية مستقرة نسبياً للاجئين الفلسطينيين، خصوصاً في مراحل التعليم الأساسي، ووفرت شبكة من المدارس والمعلمين والبرامج التعليمية التي استمرت رغم الحروب والأزمات.
وفي سوريا، تعرضت مدارس الأونروا نفسها لأضرار بالغة خلال سنوات الحرب، وتعطلت مدارس أو خرجت عن الخدمة بسبب الدمار أو صعوبة الوصول إليها أو استخدامها كمراكز إيواء، ومع ذلك ظل وجود المدرسة والمعلم والكتاب عاملاً مهماً في الحفاظ على المسار التعليمي.
وفي المقابل، عاشت المدارس السورية الحكومية ظروفاً استثنائية أيضاً، من الدمار والضرر إلى تراجع قيمة الرواتب وارتفاع تكاليف الحياة، ولا يمكن تحميل المعلم السوري مسؤولية هذه الظروف، فقد واصل كثير من المعلمين أداء رسالتهم في أصعب الأوقات وكانوا سنداً لأبناء الفلسطينيين والسوريين معاً، وربما يكون اختلاف ظروف العمل والاستقرار بين مؤسسات التعليم عاملاً ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة نتائج الطلبة، لكن ذلك لا يعني أن جميع الطلاب بخير؛ فإلى جانب صور المتفوقين، هناك صورة أخرى يجب ألا تختفي، هي صورة التسرب من التعليم، والطلاب الذين حالت الظروف الاقتصادية أو النزوح أو المسؤوليات الأسرية دون إكمال دراستهم.
لذلك فإن إبراز ظاهرة التفوق لا يعني تجاهل التسرب، بل يجب أن يدفعنا إلى السؤال الأهم: لماذا ينجح بعض الطلاب بهذا الشكل اللافت، ولماذا يخرج آخرون من التعليم؟ ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسة أعمق للعوامل الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية التي تصنع النجاح أو تدفع إلى التسرب.
2026.. عام مختلف
يمكن النظر إلى عام 2026 باعتباره محطة مهمة في قراءة التعليم الفلسطيني في سوريا، فبعد سنوات طويلة من الحرب والاضطراب، بدأت البلاد تدخل مرحلة مختلفة، مع عودة كثير من الناس إلى مناطقهم، وعودة المؤسسات تدريجياً إلى العمل، واستعادة المجتمع شيئاً من اهتمامه بالمستقبل.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين في سوريا، فإن الاستقرار لا يعني فقط العودة إلى المنازل أو إصلاح الطرق والمدارس، إنه يعني أيضاً إعادة اكتشاف التعليم باعتباره مشروعاً للمستقبل.
فالطالب الذي يجلس اليوم على مقعد الدراسة لن يكون مجرد ناجح في امتحان بعد سنوات، وإنما قد يصبح طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو باحثاً أو موظفاً عاماً أو قائداً في مجتمعه، وهذا مهم بشكل خاص في سوريا التي تحتاج إلى جيل متعلم قادر على المساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب.
وقد شهدت السنوات الأخيرة حضور شخصيات فلسطينية في مواقع ومؤسسات مختلفة داخل المجتمع السوري، وهو ما يؤكد أن الفلسطيني لم يكن في سوريا مجرد لاجئ ينتظر حلاً لقضيته، بل كان جزءاً من المجتمع، وأسهم في التعليم والطب والهندسة والإدارة والعمل العام.
واليوم، يمكن للتعليم أن يكون أحد أهم الجسور التي تعزز هذه الشراكة.
سوريا في الذاكرة الفلسطينية
ثمة تشابه يستحق التأمل بين التجربة الفلسطينية داخل فلسطين، ولا سيما في غزة، وبين تجربة الفلسطينيين في سوريا، في الحالتين، يأتي التعليم في مواجهة الخراب، وفي الحالتين، تصبح المدرسة أكثر من مجرد مبنى.
إنها مساحة للحفاظ على الذاكرة، ولمنح الطفل إحساساً بأن مستقبله لم ينته رغم أن الحاضر يبدو قاسياً، ولهذا يصعب فصل ظاهرة التفوق الفلسطيني في سوريا عن التجربة الفلسطينية الأوسع.
فالفلسطيني الذي تعلم في المخيم، أو في مدرسة الأونروا، أو في مدرسة سورية، حمل معه فكرة متوارثة بأن العلم هو أحد الأشياء التي لا ينبغي التخلي عنها حتى عندما تضيق الخيارات.
ربما لهذا السبب تبدو صورة الطالب الفلسطيني المتفوق مألوفة إلى هذا الحد، لكن المألوف لا يعني أنه عادي، بل ربما يجب أن نتوقف أمامه أكثر.
ماذا بعد التاسع والثانوية؟
إذا كانت نتائج عام 2026 قد كشفت عن قدرة لافتة لدى الطلبة الفلسطينيين، فإن السؤال الأهم يبدأ بعد إعلان النتائج: ماذا سنفعل بهذا التفوق؟
في الحقيقة ليس المطلوب أن نكتفي بالاحتفال بالطالب الذي حصل على 100%.
المطلوب أن نوفر له ولزملائه الطريق الذي يجعل هذا التفوق منتجاً في المستقبل، وهنا تظهر مجموعة من الاحتياجات التي يطرحها الطلبة أنفسهم.
من بينها تطوير تعليم اللغة الإنجليزية، ولا سيما في المناطق التي تفتقر إلى مراكز متخصصة تركز على المحادثة والمهارات العملية، بدلاً من الاقتصار على القواعد والمناهج التقليدية.
وهناك أيضاً الحاجة إلى توسيع برامج الحاسوب والتكنولوجيا، وفتح مراكز ثقافية وتعليمية، وتنظيم دورات صيفية، وإتاحة التدريب على المهارات الرقمية التي أصبحت جزءاً أساسياً من سوق العمل.
ولا ينبغي أن يتوقف الأمر عند التعليم الأكاديمي، فالطالب يحتاج أيضاً إلى التعليم المهني والتقني.
نحن بحاجة إلى طالب فلسطيني متفوق في الطب والهندسة، لكننا بحاجة كذلك إلى فني ومبرمج ومختص في الطاقة والكهرباء والإلكترونيات والميكانيك والمهن الحديثة، إذ إن التعليم الذي لا يرتبط بفرص العمل يبقى ناقصاً.
توسيع التعليم
هذه واحدة من القضايا التي ينبغي أن تدخل في النقاش بجدية، فمدارس الأونروا في سوريا تركز تاريخياً على مراحل التعليم الأساسي حتى الصف التاسع، بينما ينتقل الطالب بعد ذلك إلى المدارس الثانوية السورية أو المدارس الخاصة.
وقد يكون من المفيد بحث إمكانية توسيع الفرص التعليمية التي تقدمها الأونروا، أو على الأقل توسيع برامجها التعليمية والتدريبية لما بعد المرحلة الأساسية، خصوصاً في المناطق التي توجد فيها تجمعات فلسطينية كبيرة ولا تتوفر فيها خيارات تعليمية كافية، فالمسألة هنا ليست منافسة بين الأونروا والمدارس السورية.
وعلى العكس، المطلوب هو زيادة فرص التعليم وتحسين جودته، فالطالب الفلسطيني في النهاية طالب يعيش في سوريا، وسيكون جزءاً من مستقبلها، كما أنه يحمل قضية وذاكرة وهوية فلسطينية.
التفوق مسؤولية أيضاً
هنا، وبكل فخر، لابد أن نشيد بالطالبة سنا زاهر مصيبص، ابنة مخيم النيرب، التي حققت المجموع التام 2800 من 2800 في شهادة التعليم الأساسي، لتكون الأولى على مستوى الجمهورية، في إنجاز يرفع رأس كل فلسطيني، ويؤكد أن الإرادة أقوى من كل الظروف.
ولكنّ سنا، وهي تتربع على قمة النجاح، هي الأكبر من أن تُختصر بمدرسة أو مخيم؛ فهي ابنة شعب بكامله، ورمز لجيل لم يستسلم. ومن هنا، لا ينبغي أن يقف الاحتفاء عندها وحدها، بل يجب أن يمتد ليشمل كل طالب وطالبة من أبناء فلسطين في سوريا الذين اجتهدوا وتحدوا الفقر والنزوح والحرب، وحققوا نتائج مشرفة، مهما تباينت علاماتهم، لأن قيمتهم لا تُقاس برقم، بل بحجم التحدي الذي واجهوه.
ونحن إذ نعتذر لكل من لم نذكر اسمه من هؤلاء المتميزين، فإننا نوقن أن أفعالهم خير من يذكرهم، وأن التقدير الحقيقي يقتضي أن ننتقل بهم جميعاً من نجاح فردي إلى مشروع جماعي؛ مشروع يضع التفوق مسؤولية على المجتمع والمؤسسات، لتوفير المدارس، والمنح، والدعم، والوصول إلى كل طالب فلسطيني، داخل المخيمات وخارجها، لكي لا يبقى التفوق خبراً عابراً، بل يصبح جيلاً كاملاً يبني المستقبل.
