
فايز أبو عيد
في رحلة البحث عن المفقودين والمعتقلين، لا تواجه العائلات ألم الانتظار وعدم اليقين فقط، بل تواجه أحيانًا أشخاصًا يستغلون هذا الألم وحاجتها إلى معرفة الحقيقة، عبر تقديم معلومات غير موثقة أو طلب مبالغ مالية مقابل وعود بالكشف عن مصير المفقود.
وتزداد خطورة هذه الممارسات مع انتشار صفحات وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تدّعي امتلاك معلومات عن المعتقلين والمفقودين، فبالنسبة لعائلة تنتظر منذ سنوات خبرًا عن ابنها أو زوجها أو أبيها، قد تبدو أي معلومة، مهما كان مصدرها، بمثابة فرصة أخيرة لمعرفة الحقيقة.
ومن الأمثلة التي تكشف خطورة هذا النوع من الاستغلال، واقعة حدثت قبل نحو أسبوع، بحسب رواية امرأة فلسطينية لديها زوج معتقل، فقد عثرت المرأة على منشور في موقع فيسبوك لشخص يدعى عامر ديري، يدعو فيه من يريد معرفة مصير أحد المعتقلين إلى التواصل معه عبر الرسائل الخاصة.
وبحسب رواية المرأة، تواصلت معه، فأعطاها في البداية معلومات عامة عن زوجها، قبل أن يخبرها لاحقًا بأن زوجها، بعد سقوط النظام، تعرض للضرب على رأسه وفقد عقله نتيجة لذلك، وأكد لها بأنه موجود في مستشفى للأمراض النفسية في دمشق، في حين لم يحدد اسم المشفى وأين تقع، ومن ثم طلب منها، أن تأتي بمفردها وأن تحضر معها مبلغ ثلاثة آلاف دولار.
وأمام خطورة هذه المعلومات، تواصلت المرأة مع مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا للتحقق من صحة ما قيل لها، بدورها نصحتها المجموعة بعدم الذهاب إلى الشخص وعدم دفع أي أموال، والتوجه إلى الجهات المختصة وتقديم بلاغ بشأن ما تعرضت له من محاولة احتيال وابتزاز. إلا أن المرأة، التي كانت في حالة نفسية شديدة الصعوبة، اكتفت بالبكاء ورفضت اتخاذ إجراء قانوني بحقه.
وتوضح هذه الواقعة، بصرف النظر عن التحقق من صحة الادعاءات التي قدمها صاحب الحساب، حجم المخاطر التي يمكن أن تواجهها عائلات المفقودين عندما تصبح المعلومات المتعلقة بمصير أحبائهم متاحة عبر مصادر مجهولة وغير رسمية، فالاستغلال هنا لا يكون ماليًا فقط، وإنما قد يتحول إلى ابتزاز نفسي، من خلال اللعب على مشاعر الخوف والأمل لدى الأسرة.
وتتخذ عمليات الاستغلال أشكالًا متعددة؛ فقد يدعي شخص امتلاكه معلومات حصرية عن معتقل أو مفقود، أو يزعم قدرته على الوصول إلى سجلات أو سجون أو مقابر، ثم يطلب المال مقابل هذه المعلومات.
وفي حالات أخرى، قد تُرسل للعائلة صور أو وثائق مجهولة المصدر على أنها دليل على الوفاة أو البقاء على قيد الحياة، من دون وجود أي جهة مختصة تحققت من صحتها.
كما تمثل وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لمثل هذه الممارسات، خصوصًا عندما تنشر بعض الحسابات أسماء المعتقلين وصورهم وتدعو ذويهم إلى التواصل معها بشكل خاص. وقد يؤدي ذلك أيضًا إلى جمع بيانات شخصية ووثائق حساسة عن العائلات، يمكن استخدامها لاحقًا في عمليات ابتزاز أو احتيال.
ولهذا، فإن التعامل مع أي معلومة جديدة عن مفقود أو معتقل يجب أن يبدأ بالحذر والتحقق.
لا ينبغي دفع أي مبلغ مقابل معلومات غير موثقة، ولا إرسال الوثائق الشخصية أو البيانات الحساسة إلى حسابات مجهولة، ولا الذهاب منفردًا إلى أي شخص يدعي امتلاك معلومات عن المفقود. والأفضل هو إحالة أي معلومة إلى جهة حقوقية أو إنسانية موثوقة للتحقق منها.
لكن المسؤولية لا تقع على العائلات وحدها؛ فهذه الأسر تحتاج إلى قنوات رسمية وموثوقة تستطيع من خلالها تقديم البلاغات والحصول على المعلومات، بما يقلل المساحة التي يستغلها المحتالون. كما تحتاج إلى دعم نفسي وقانوني، لأن سنوات الانتظار تجعل الأسرة أكثر عرضة للتعلق بأي بصيص أمل، حتى لو جاء من مصدر غير موثوق.
إن قضية المفقودين ليست مجرد ملف معلومات أو أرقام في قواعد بيانات؛ إنها قضية عائلات تعيش بين الأمل والخوف منذ سنوات. ولذلك فإن حماية هذه العائلات من الاستغلال والابتزاز يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي استجابة جادة لملف المفقودين، بالتوازي مع العمل على كشف مصيرهم والوصول إلى الحقيقة.
