
فايز أبو عيد
لم تعد عائلات المفقودين الفلسطينيين في سوريا تبحث عن رواية كاملة؛ يكفيها خيط واحد يقود إلى مصير غائبٍ طال انتظاره. لكن بعد سنوات من الاعتقال والاختفاء، أصبحت المعلومة نفسها مشكلة، فيما تتزاحم الشهادات والوثائق والمنشورات على أبواب عائلات أنهكها الانتظار.
بالنسبة إلى أسرة المفقود، تبدأ الحكاية غالبًا من تفاصيل صغيرة: تاريخ اعتقال، اسم فرع أمني، مكان احتجاز محتمل، شهادة معتقل سابق، أو اتصال من شخص يقول إنه يعرف شيئًا عن الغائب. غير أن جمع هذه الأجزاء وتحويلها إلى معلومة يمكن الوثوق بها ليس أمرًا سهلًا.
تجربة الفلسطيني يوسف العواودة تكشف جانبًا من هذه المعاناة. فمنذ اختفاء شقيقه إبراهيم في سوريا عام 1983، بقيت العائلة تبحث عن أي معلومة تقود إليه. وبعد سقوط النظام وانتشار أخبار الإفراج عن المعتقلين، عادت الاتصالات إلى يوسف، لكن ما وصل إليه لم يكن جوابًا، بل مزيدًا من الشائعات.
يقول العواودة، في شهادة نشرتها الجزيرة، إن عائلته “لم تحصل على معلومات صحيحة” عن شقيقه، رغم موجة الأخبار التي انتشرت حول المفرج عنهم. ومع ذلك، بقيت العائلة تتعامل مع إبراهيم باعتباره حيًا، حتى إنها أبقت أرضه وممتلكاته على أمل أن يعود إليها يومًا.
ليست حالة استثنائية
ففي شهادة أخرى، تحدث وائل عوض عن شقيقه نعمان، الذي فُقد عام 1982 بعد اعتقاله في درعا. وبعد سنوات طويلة، وصلت للعائلة عام 1998 معلومة من معتقل سابق قال إنه التقى نعمان في سجن صيدنايا. حاولت الأسرة البحث عنه والوصول إلى سوريا، لكنها لم تتمكن من ذلك.
هنا تكمن واحدة من أصعب مشكلات ملف المفقودين: المعلومة قد تكون موجودة، لكنها ليست بالضرورة معلومة موثوقة.
فقد تمتلك الأسرة شهادة شخص كان معتقلًا مع مفقودها، أو وثيقة تحمل اسمًا مشابهًا، أو صورة متداولة على مواقع التواصل، أو رسالة من شخص يدّعي معرفة مكانه. لكن كل معلومة من هذه المعلومات تحتاج إلى التحقق والمقارنة مع مصادر أخرى قبل أن تتحول إلى حقيقة.
ومع سقوط النظام السوري، اتسعت دائرة المعلومات بدل أن تضيق. ظهرت وثائق وسجلات وصور، وانتشرت قوائم أسماء وشهادات ناجين ومعتقلين سابقين، لكن إلى جانب المعلومات الصحيحة ظهرت أيضًا معلومات مجتزأة أو غير دقيقة، وهو ما دفع الهيئة الوطنية للمفقودين إلى التأكيد أن البيانات التي تصل إليها تُعد معلومات أولية، ولا يُعتد بها في تحديد مصير شخص إلا بعد إخضاعها لعملية تحقق وتحليل متعددة المراحل.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما لا تمتلك الأسرة أصلًا ملفًا متكاملًا عن مفقودها، بعض العائلات لا تعرف سوى سنة الاعتقال، وأخرى تعرف المكان دون الفرع الأمني، فيما فقدت أسر أخرى أوراقها خلال النزوح أو اللجوء خارج سوريا.
وبالنسبة إلى العائلات الفلسطينية تحديدًا، لا تنفصل هذه الصعوبات عن قضية أوسع تتعلق بضرورة إدماج أسماء الفلسطينيين المفقودين في المسارات الوطنية والدولية الخاصة بكشف مصير المفقودين في سوريا، مع الحفاظ على خصوصية بياناتهم وملفاتهم.
وتؤكد المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا أن حق الأسر في معرفة ما حدث لأحبائها ومكان وجودهم هو جوهر عملها، فيما تعمل الجهات المعنية على تطوير آليات للتوثيق والبحث وحفظ المعلومات.
لكن بالنسبة إلى أم أو زوجة أو شقيق ينتظر منذ سنوات، فإن قاعدة البيانات وحدها لا تكفي.
هم يريدون اسماً مؤكدًا، ومكاناً، وتاريخاً، وشهادة يمكن الوثوق بها.
يريدون أن يعرفوا: هل ما زال حيًا؟ أين كان؟ ماذا حدث له؟ وإذا كان قد فارق الحياة، فأين جثمانه؟
الفرق بين المعلومة والحقيقة
فالمعلومة غير الموثقة قد تمنح الأسرة ساعات من الأمل، ثم تعيدها إلى نقطة الصفر، أما الحقيقة، حتى عندما تكون مؤلمة، فهي حق إنساني وقانوني يساعد العائلة على إنهاء سنوات الانتظار والعيش في منطقة رمادية بين الحياة والموت.
ولهذا، فإن التعامل مع ملف المفقودين الفلسطينيين في سوريا يحتاج إلى مسار واضح: جمع كل ما لدى العائلات من معلومات، مطابقتها مع السجلات والوثائق، التحقق من شهادات الناجين والمعتقلين السابقين، وحماية الأدلة من العبث أو التداول العشوائي.
فالأسرة ليست جهة تحقيق، ولا ينبغي أن تُترك وحدها في مواجهة آلاف الوثائق والروايات المتناقضة.
بعد عقود من الغياب، لا تطلب عائلات المفقودين الفلسطينيين المستحيل. إنها تطلب فقط أن تعرف الحقيقة.
والحقيقة، في ملف المفقودين، ليست ترفًا صحفيًا ولا مطلبًا عاطفيًا؛ إنها حق للعائلة، وواجب على الجهات المعنية، وشرط أساسي للعدالة وحفظ كرامة من غابوا.
