
زكريا السيد أحمد
– ليس بالضرورة أن يكون تأخر العمل الأدبي الأول علامة على تباطؤ الكاتب، فبعض الكتب تحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن تجد طريقها إلى النور ، لا لأن صاحبها كان عاجزًا عن الكتابة، وإنما لأن الحياة كانت تكتب فيه أولا، وتتراكم التجربة أمامه، وتترك في الذاكرة ما يكفي لأن يتحول _ في وقت ما _ من مجرد أحداث عابرة إلى أسئلة تستحق أن تُروى، وربما لهذا كنت أميل، وأنا أقرأ المجموعة القصصية (تغريبة الوجع) للكاتب والإعلامي الفلسطيني (فايز أبو عيد) إلى النظر إلى هذه المجموعة بوصفها أكثر من تجربة قصصية أولى، فهي ثمرة سنوات لم يكن فيها صاحبها بعيدا عن تجارب الناس، بل كان قريبًا من تفاصيلها، يراها ويتابعها، ويحاول أن يمنح ما يمر بهم اسما وذاكرة وشهادة، ولست هنا بصدد دراسة نقدية تستقصي تقنيات المجموعة وتفكك حكاياتها واحدة واحدة، بقدر ما أقترب منها بوصفها تجربة تركت في القراءة أثرًا وأسئلة، ألتقط منها ما استوقفني، وأحاول أن أرى ما تقوله الحكايات خلف وجعها، وما يظل منها بعد أن تنتهي القراءة.
– الكاتب (فايز أبو عيد) ليس غريبًا عن حكاية الفلسطيني في سورية، ولا عن ذلك الشتات الذي لم يتوقف عند حدود النكبة الأولى، وإنما ظل الفلسطيني يحمل وطنه من مكان إلى آخر، حتى وجد نفسه أمام حرب جديدة تعيد فتح الجراح، وتضع المخيم الفلسطيني مرة أخرى في مواجهة سؤال البقاء، ومن خلال عمله الإعلامي كان قريبًا من أخبار المخيمات وأحوال أهلها، ومن الأسماء التي قد تمر في نشرات الأخبار سريعًا، لكنها بالنسبة إلى أصحابها حياة كاملة انكسرت أو غابت أو اضطرت إلى الرحيل، وهذا القرب الحميمي من التجربة هو ما جعل الانتقال من الرصد إلى القصة أمرًا طبيعيًا، فثمة أشياء يستطيع التقرير أن يسجلها، وأشياء أخرى لا تكفيها الأرقام والأخبار، لأنها تحتاج إلى وجه، وصوت، ومساحة تتنفس فيها بعيدًا عن جفاف الخبر، ولعل ما يفسر هذا الانتقال من الرصد إلى الحكاية أن الكاتب نفسه يرى حسب ما يقول، أن {بعض الحكايات لا يكفي أن تُروى في خبر، فهي تحمل من التفاصيل والمشاعر ما يستحق أن يبقى في الذاكرة}، وهي عبارة تختصر _ في جانب منها _ المسافة التي قطعتها هذه التجربة من التقرير الصحفي إلى القصة الأدبية، إذ لم تعد الحكاية مجرد واقعة تُنقل، وإنما أصبحت محاولة لحفظ الإنسان الذي يقف خلفها، وما تركته التجربة في ذاكرته وروحه، لذلك لا تبدو الشخصيات في المجموعة وكأنها جاءت من خيال منفصل عن الواقع، بقدر ما تحمل حرارة المعايشة، فالكاتب لم يكتفِ بنقل ما رٱه وسمعه، وإنما وجد في القصة مساحة أوسع لما لم يكن الخبر قادرًا على احتوائه.

– الحرب في نصوص هذه المجموعة القصصية ليست مجرد خلفية تقع الأحداث أمامها، بل تبدو قوة خفية تعيد ترتيب حياة الإنسان، فتغير معنى البيت والطريق والانتظار، وتكشف هشاشته حين يجد نفسه في مواجهة قوة أكبر من قدرته على الاختيار، وهنا يتحول النزوح من مجرد انتقال جغرافي إلى حالة شعورية، وتغدو الذاكرة وطنًا إضافيًا لا يستطيع أحد انتزاعه، لذلك نرى أن قصص المجموعة تتحرك في فضاء تتداخل فيه الغربة والعبور والفقد والانتظار، وبين ما تركه أصحاب الحكايات خلفهم وما يخشون أن يفقدوه في الطريق، ففي (كسور حلم) مثلاً تبقى شظايا الحلم عالقة في صاحبها، فيما يصبح البحر في (عبور الأمواج .. شاطىء عن ٱخر يختلف) امتحانًا قاسيًا لمن يحملون على أكتافهم ما هربوا منه وما يخشون فقدانه، وهكذا لا تبدو الأمكنة في المجموعة مجرد مساحات تتحرك فيها الشخصيات، وإنما تتحول، تحت وطأة الحرب والنزوح، إلى جزء من تجربتها الداخلية.
– قصة (حيفا.. البحر في صمت الذاكرة ) تقدم شاهدًا واضحًا على أن الذاكرة في هذه المجموعة ليست مجرد استعادة للماضي، بل طريقة لاستبقاء المكان حيًا في الوجدان، ففي مواجهة تبدل الأمكنة وضياعها، يبقى البحر حاملًا لذاكرة (حيفا) حتى تأتي العبارة البسيطة والمكثفة: {هذا البحر لنا الآن}، فهذه العبارة ليست مجرد إحالة إلى مكان، بقدر ما تبدو إعلانًا عن أن ما غادره الإنسان جغرافيا يمكن أن يظل حاضرًا فيه بالذاكرة، وأن المكان حين يدخل الحكاية لا يعود مجرد جغرافيا، بل يصبح جزءًا من هوية لا تستطيع التغريبة اقتلاعها، ومن هنا لا يبدو الألم في المجموعة غاية في ذاته، ولا تتحول المأساة إلى استعراض للدموع، إذ يبقى خلفها إنسان يحاول أن يواصل حياته بعدما فعلت به الحياة ما فعلت، والأهم أن هذا الإنسان لا يظهر مستسلمًا لوجعه، ففي قلب القسوة تظل هناك مساحة للحب والوفاء، وللانتظار، ولإرادة الحياة التي تقاوم أن يكون الألم هو التعريف الأخير للإنسان، وكأن الحكايات وهي تروي ما انكسر تحاول في الوقت نفسه أن ترى ما ظل قادرًا على النهوض.
– وفي قصة ( أم يوسف ) يبدو الوجه الآخر للتجربة أكثر وضوحًا، فوسط الحزن والفقد والفقر، لا تستسلم الشخصية لما أصابها، بل تظل متمسكة بتفاصيل الحياة الصغيرة، فتعتني بحديقة منزلها، وتزرع فيها الأزهار والنباتات، حتى تبدو الحديقة امتدادا لروحها المقاومة، ولعل عبارتها البسيطة: {إنّ شجرة الليمون في المنزل أفضل من غرفة} تختصر شيئًا عميقًا في علاقتها بالحياة، فهي لا تواجه الفقد بخطاب كبير، وإنما تحاول أن تصنع لنفسها مساحة من الربيع داخل بيت أنهكه الوجع، وهنا لا تأتي إرادة الحياة في صورة شعار، وإنما في فعل يومي هادئ، أن تظل اليد قادرة على الزراعة والعناية، وأن يجد الإنسان وسط ما فقده سببًا صغيرًا لأن يجعل الحياة ممكنة، ولعل هذه المنطقة تحديدًا هي التي يبتعد فيها الكاتب عن مجرد تسجيل المأساة إلى صناعة الأدب، فالأدب لا يوقف الحرب ولا يعيد الغائب، لكنه يستطيع أن يمنع الإنسان من أن يتحول إلى رقم، وأن يمنح ما حدث له وجها وملامح وذاكرة، وأن يقول إن الحياة التي أصابها الوجع لم تتوقف بالضرورة عنده.
– ما يمنح بعض حكايات المجموعة أثرها الإنساني هو أنها لا تتوقف عند الخبر الذي يمكن أن ينتهي بانتهاء نشرته، فخلف الخبر ثمة حياة كاملة، بيت ووجوه وطريق وأحلام، وأشياء صغيرة لا تظهر في العناوين الكبيرة، لكنها هي التي تصنع معنى الفقد حين يغيب أصحابها، ومن هذا الاقتراب من التفاصيل الإنسانية، الذي يتيحه للكاتب عمله الإعلامي، تأتي القصة محاولة لاستعادة الإنسان من خلف الوقائع، لا مجرد إعادة سرد لما جرى، بل محاولة لرؤيته أيضا بعد وقوعه: كيف عاش، وماذا بقي فيه من الحب والحلم والقدرة على الاستمرار؟
– (تغريبة الوجع) لا تأتي إلى الذاكرة الفلسطينية من خارجها، ولا تحاول أن تعيد سرد ما صار معروفا في أدب الحرب واللجوء والاقتلاع، وإنما تدخل إليها من مسافة أقرب، من تفاصيل عاشها الكاتب واقترب منها، ومن تجربة الفلسطينيين التي تتيح له أن يرى الوجع لا بوصفه حدثا مكتملاً، بل حياة تتشكل في ظلاله، ومن هنا تكتسب المجموعة خصوصيتها، فهي لا تحتاج إلى الاتكاء على أسماء كبيرة كي تثبت حضورها، بقدر ما تستمد مشروعيتها من المسافة التي قطعها صاحبها بين الرصد والمعايشة، ثم من اللحظة التي تحولت فيها هذه المعايشة إلى حكايات، وهنا يصبح عنوان المجموعة نفسه مفتاحًا آخر للقراءة، فـهي لا تحيل إلى ألم عابر ينتهي بانتهاء الحكاية، وإنما إلى تجربة تمتد مع الإنسان من مكان إلى آخر، وتترك أثرها في الذاكرة وفي علاقته بالأمكنة والوجوه، فالتغريبة لا تنتهي بخروج الإنسان من مكان إلى آخر، بل تستمر في داخله، وتنتقل معه من مخيم إلى مخيم، ومن بلد إلى بلد، ومن جيل إلى جيل، لكنها ليست تغريبة وجع خالص، إذ يحمل الإنسان في رحلته ما هو أبقى من الجرح، ذاكرته وعلاقاته وحبه وانتظاراته، وقدرته على أن يصنع من بقائه شكلاً من أشكال مقاومة الانطفاء، ولذلك يصبح سؤال:(ماذا بقي منا في كل هذه الأمكنة؟) أوسع من أن يكون سؤالًا عن المكان وحده، فهو في جوهره سؤال الإنسان الذي تتغير خرائطه، فيما تظل حاجته مستمرة إلى مكان وذاكرة لا يفقد فيهما نفسه.
– إذا كانت المجموعة قد وجدت شكلها النهائي في الكتابة، فإن تجربتها الأولى كانت قد تشكلت قبل ذلك بسنوات، في حياة عاشها الكاتب عن قرب، وفي حكايات لم تكن في بدايتها مهيأة لتصبح أدباً، فالحكاية التي يحملها لم تبدأ مع الصفحة الأولى، وإنما سبقتها سنوات من التجربة، في المخيم، وفي وجوه الناس الذين عبروا أمام الكاتب، وفي تفاصيل ربما بدت في وقتها مجرد وقائع، قبل أن تجد طريقها إلى الأدب، وربما لهذا لا يكون السؤال: متى كتب الكاتب مجموعته الأولى؟ بقدر ما يكون: كم من الوقت احتاجت التجربة حتى تجد شكلها؟
– لقد جاءت (تغريبه الوجع) بعد طريق طويل من الرصد والذاكرة، ولهذا فإن ما يبقى منها ليس الألم وحده، بل الإنسان الذي حاولت القصص أن تراه من داخله، وأن تترك له وسط الخراب مساحة صغيرة ليقول إنه ما زال هنا، فالحرب تمضي، والأمكنة تتبدل، والوجوه تغيب، والذاكرة قد تخون أصحابها، لكن الحكاية تستطيع أن تحمل من ذلك كله ما يكفي كي يبقى الإنسان حاضرًا، لا باعتباره ضحية لما حدث فقط، بل بوصفه كائنا ظل رغم كل شيء قادرا على أن يتذكر ويحب وينتظر ويحلم.
– تكمن أهمية الكتاب الأول في أنه لا يكتفي بأن يقول إن ما حدث كان موجعًا، بل يعيد للإنسان الذي مر به فرصة لأن يُرى ويُسمع، وألا يضيع تمامًا في زحام الأخبار والنسيان، فالكتابة لا تأتي بعد التجربة بوصفها تأخرًا عنها، بل هي لحظة أخرى من حياتها، لحظة تجد فيها الذاكرة لغتها، ويجد الإنسان في الحكاية مكانًا يبقى فيه، ويبقى ما سيكتبه الكاتب لاحقًا مفتوحًا على حكايات أخرى، ربما تتسع فيها التجربة، لكنها تواصل البحث عن الإنسان الذي لا يريد أن يغيب.
