
دمشق –دنيا الوطن– فايز أبو عيد
إذا كان ثمن الكتاب وغلاؤه حائلاً دون تلبية “النهم المعرفي” لدى الإنسان فلا شك أنه سيبحث عما يروي هذا النهم وبأقل التكاليف، وأمام الحاجات المادية الضاغطة التي انسحبت على حياة المواطن العربي بشكل عام، أصبح مألوفا أن يرتاد مكتبات الرصيف عله يجد “ضالته” بين أكوام الكتب القديمة والحديثة والمتنوعة المكدسة، مكتبات تجعل من الرصيف مكاناً لتواجدها، وكأنها بذلك تحقق رؤية الكاتب الأرجنتيني الشهير”بورخيس” عندما رأى في إحدى قصصه وبدافع “التخييل الأدبي” العالم كمكتبة رففها وممراتها الدروب والشوارع والأرصفة، أما ما يقبع على هذه الأرفف فهو ذاكرة الوجود المحتشدة فوق بعضها كطبقات وكأنها الكتب في هذه المكتبة .
•ظاهرة منتشرة وعناوين متنوعة إن ظاهرة مكتبات الرصيف تنداح على مساحة بلدان العالم، بدءاً من بريطانيا وفرنسا وألمانيا…..، ومروراً بالدول العربية مثل سوق “سور الأزبكية” الذي تحول إلى معرض دائم للكتاب في القاهرة وكذلك سيارات “الفان” التي تقف محاذية لمنطقة الروشة أو قريباً من حي الحمراء في العاصمة اللبنانية بيروت، تلك السيارات التي تتراكم بداخلها الكتب المتنوعة، وانتهاءً بسورية التي تنتشر مكتبات الرصيف في مدنها كالأوشام الجميلة في جسد امرأة ريفية بريئة، ففي حلب نجد كتب الرصيف في ساحة سعد الله الجابري أو في منطقتي باب جنين والسبع بحرات، وكذلك على أسوار جامعاتها، أما في حمص فنجدها في شارع الدبلان العريق وسور جامعة البعث، وفي اللاذقية تتوزع في ساحة الشيخ ضاهر وعلى أسوار جامعة تشرين، أما في دمشق فإنها تتوزع تحت جسر الرئيس، وسط دمشق وبشكل أصغر في شوارع مهمة مثل الفردوس وأسوار التكية السليمانية وفي سوق الصالحية في يوم الجمعة من كل أسبوع وفي الأعياد حيث تحتشد بسطات الكتب من كل “فج وصوب”و تضم مكتبات الرصيف الكتب المتنوعة من “أدبية وشعر وروايات ودراسات نقدية وثقافية وسياسية وتاريخية وتراثية ودينية وطبية، وأيضاً تجد بينها الكتب الجامعية والمدرسية والروايات الأجنبية بمختلف لغاتها، هذا إضافة للمجلات والدوريات المتنوعة سواء منها الحديث أو القديم أو التي انقطعت عن الإصدار مثل”الناقد” ومجلة “شعر”، أو التي مازالت تصدر بدءا من العدد التجريبي (صفر) مثل “مجلة العربي ومجلة الفيصل روز اليوسف ….” حتى كتب التسلية والشعوذات وأحياناً “الخلاعية” تجد لها مكانا بين هذه الكتب.
•بائعون ومقتنون يكاد لا يفاجئنا أن نجد أحد باعة الكتب وأصحاب البسطات “مثقفاً ثقافة نوعية”، إذ دفعت الحاجة الكثير من الأدباء إلى امتهانها بدءاً من المسرحي الفرنسي “جان جنييه” وليس انتهاء بالروائي العراقي “سايد كعدو” الذي يقول في كتب مكتبته التي شرع ببيعها في الطرقات تحت وطأة الحاجة: “ولكنهم اليوم ـ أي كتبه ـ أصحاب الفضل في بقائي حياً على قيد الطعام”.إنهم أصحاب “بسطات” مثقفون دفعتهم الحاجة وفشل مشاريعهم الحياتية ومحاولات انعتاقهم من سحر الكتاب والقراءة إلى افتراش الرصيف بالكتب التي وجدوا فيها غذاءً للروح و “للمعدة” أيضاً .nولكن يبقى أمثال هؤلاء قلة نادرة مثل “أبو مازن” صاحب بسطة كتب في دمشق والذي يمتلك على حد زعمه أربع مخطوطات لكتب من تأليفه صالحة للنشر، فأغلب البائعين تجدهم موظفين أحيلوا للتقاعد مثل “أبو أحمد” من أصحاب “البسطات” أو أحدهم دفعته “المصادفة” إلى امتهان هذه مثل أبو “أبو العز” الذي يحدثنا عن تجربته الغريبة قائلاً: “كنت وأنا شاب أبيع حلويات (الهريسة) وفي إحدى المرات وبينما أردت أن أخذ ورقة من كتاب بجانبي لأصر بها الهريسة التي اشتراها أحدهم، فإذ به يصرخ: لا لا تفعل ذلك! من أين حصلت على هذا الكتاب؟ ثم أعطاني المبلغ الذي طلبته ثمنا ًللكتاب مقابل اقتنائه، وبذلك وجدت في الكتاب مصدر للرزق ولقمة العيش ومع تشجيع البعض اخترت هذه المهنة”. هذا عن حال البائعين.nولكن ماهي وجهة نظر اللذين يرتادون هذه المكتبات ومن هم؟ من الواضح أن أغلبهم من طلاب الجامعات والمدارس الذين يبحثون عن الكتاب الرخيص، وهذا ما يفسر انتشار “بسطات الكتب” بالقرب من أسوار الجامعات في المدن السورية، وكذلك تجد الباحث أو المطالب بمشروع تخرج للجامعة مثل أحد الزبائن الذي صادفناه واقفاً أمام إحدى هذه “البسطات” فحدثنا قائلاً: “نظراً لغلاء الكتب المرجعية في المكتبات العامة والخاصة لذلك تجدني أقبل على بسطات الكتب التي أجد فيها طلبي وبسعر يتناسب مع إمكانياتي المادية المحدودة جداً” .وتجد كذلك الكثير ممن يمرون مروراً استعراضياً عابراً علهم يجدون كتاباً مفيداً فغالبية “البسطات” تأخذ مكاناً استراتيجياً يكون معرضا ًلحركة المارة، وخاصة في مركز المدينة من كل محافظة في سورية، هناك أيضاً من يأتي مبتغياً الطبعات القديمة من بعض الكتب التي أصبحت نادرة، وتجد هناك كاتباً قد نفذت نسخ إحدى كتبه عله يجد نسخة من كتابه الذي نفذ أمام سيل الاهداءات وطلبات الأصدقاء والقراء، فكثير من كتب “البسطات” تجدها مذيلة بإهداء من المؤلف إلى أحد الأصدقاء والمعارف مثل كتاب وجدناه في إحدى “البسطات” مهدى من المفكر “زكي الأرسوزي” وبخط يده ولاندري كيف وصل إلى هذه “البسطة”، وثمة أصحاب دور نشر رأيناهم في بحثنا الطويل والذي امتد لأيام يأتون قاصدين مكتبات الرصيف عساهم يجدون نسخة من كتاب قديم نفذت طبعاته ومازال مطلوب من القراء ليعيدوا طباعته ونشره في السوق مثل صاحب دار نشر أسر لي أنه جاء باحثاً عن كتاب “التونسي” صاحب أول ترجمة لكتاب مهم “بروتوكولات حكماء صهيون”.n• من أين يأتون بالكتب !nثمة سؤال يطرح نفسه بحرارة وهو من أين يحصل أصحاب “مكتبات الرصيف” على كتبهم؟ حملت هذا السؤال إليهم وكان أول من طرحت عليه هذا السؤال “أبو مازن” فأجاب “إن أغلب الكتب القيمة تأتينا من مكتبات أحد المثقفين الذي يفترسه فم الموت فيترك وراءه مكتبة ضخمة دأب طوال عمره على رفدها بالقيم والمفيد، وأمام حاجة ورثته للمال أو رغبة في تجديد المكان الذي تحتله المكتبة يأتون إلينا طالبين بيعها، وأستطيع أن أقول لكم وبكل صراحة بأن أغلبهم لا يقدرون قيمتها وبذلك نشتريها بعد لأي وجهد بسعر زهيد يفسح حيزاً مقنعاً للربح أمامنا”.nكثير من الكتب أيضاً وخاصة المدرسية والجامعية منها وبعض المجلات القديمة يشتريها البائعون من الطلاب الشريحة الأفقر التي يجعلها هاجس القراءة والمعرفة تنوس مابين البيع والشراء كما رأينا سابقاً.ولا يخجل “أبو العز” من إخبارنا عن أحد المصادر الهامة لكتب “البسطات” بقوله متهكماً “إن أغلب أصحاب البسطات يحصلون على كتبهم ومجلاتهم…. من عمال النظافة( الزبالين)! لأنهم الأكثر تجوالاً في المدينة فيبيعوننا هذه الكتب التي يعثرون عليها بسعر زهيد فنقوم بتنظيفها وإعادة تجليدها إذا كانت مهترئة، ثم نعرضها في البسطة، أقول لكم ذلك مع أن أغلب أصحاب البسطات يستحون من قول الحقيقة”، أما “أبو أحمد” فيدلنا على أحد مصادره الخاصة بقوله “لا أحد يستطيع أن يستمر في مصلحتنا إلا إذا كان “فلهوي” فكثير من الذين احترفوها تركوها بعد أسبوع فقط من عملهم، لأننا نلجأ إلى بسطات هؤلاء فنأخذ الكتب المهمة والتي نعلم بأنها مطلوبة كثيراً فنشتريها منهم بأسعار بخسة ويبقى لديهم متفرقات من كتب لا تسمن ولا تغني من جوع، نظراً لخبرتهم الضحلة، وحقيقة فإن لي مصدري الخاص، إذ أحصل على أغلبية كتبي من (سوق الحرامية) في شارع الثورة الذي تجد فيه كل شيء”.والكثير من أصحاب “البسطات” تلقاهم يستغلون عروض من أصحاب دور النشر عن كتاب متكدس في مستودعاتهم بكميات كبيرة فيشترونه بنصف ثمنه أو أقل، إذ كثيراً ما تجد كتاب بكميات كبيرة متكدساً في إحدى “البسطات” وهذه الظاهرة لا تعدو كونها نتيجة “لشهوة المطبوع” التي تحدث عنها القاص “إبراهيم صموئيل” في أحد مقالاته، فما الذي يدفع مؤلفاً لوضع كتاب يعلم أنه سيتكدس في مستودعات دار النشر إلا “شهوة المطبوع” هذه التي لا تضيف بقدر ما تعرقل .•الظاهرة بين التنظيم والفوضى قد يختلف الكثيرون في النظر إلى هذه الظاهرة ـ ظاهرة مكتبات الرصيف ـ فمنهم من يراها لا تتناسب وقيمة الكتاب الحضارية بأن يلقى هكذا مثل الخردة أو الأدوات المستعملة ققطع غيار السيارات، على الأرصفة أو أنها تسيء لفضاء المدينة وتناسقه الجمالي باجتياحها لرصيف المدن، أو من يجد في هذه الظاهرة دالة من دلالات الرقي الحضاري والمعرفي والثقافي و”سوسة” القراءة والبحث والكشف والتقصي.. لكننا نجد فيها صورة من صور حياتنا الإنسانية المليئة بالأمور المتناقضة والغريبة والمتفردة والمدهشة، ولا نملك إلا أن نطالب أسوة بإدارة أصحاب مكتبات الرصيف بإقامة سوق تحتضن هذه الظاهرة بدلاً من التنكيل بها بعد أن غدت جزءاً مهماً في حياة الطلاب والمثقفين والمهتمين، سوقاً على غرار سوق “سور الأزبكية” في القاهرة يحتضن هذه الظاهرة بالرعاية ويساهم في تنظيمها وتجميلها بدلاً من تركها تسبح في لجة الفوضى والإهمال وتلوب في مهب الاجتهادات الفردية.
