موقع الإعلامي فايز أبو عيد

نزار لوركا الشرق هل لقاء الاسمين يقهر الغياب؟

فايز أبو عيد

“الشرق شرق والغرب غرب هيهات أن يلتقيا؟!” ،مقولة لطالما ترددت في سماء الثقافة والإبداع وكان لها سدنتها وحماتها المدافعين عنها، أفترانا نجنح عن جادة العدالة إذا نحن قارنا بين شاعر وآخر رغم اختلاف أصولهما واختلاف اللغة … !!

أم ترنا نخطئ إذا قلنا عن نزار لوركا الشرق، فإذا كان بابلو نيرودا وصف لوركا بأنه أعظم شاعر أنجبته إسبانيا، فإن الشاعرة سعاد الصباح وغيرها يعلنون أن نزار هو(متنبي عصره).

لوركا أحب في العرب روعة حضارتهم وبهاء علومهم وقصر الحمراء، أما نزار فقد مقت في العرب ضعفهم وتشتتهم وإضاعتهم فلسطين كما أضاعوا الأندلس …

قمر لنزار … خبز للوركا :

إن الولوج لعالم نزار الشعري ليس بالأمر اليسير، وتكتنفه المصاعب والمشقات، فهو عالم رحب واسع امتد على رقعة زمنية تنوء عن نصف قرن استطاع من خلالها أن يشكل ظاهرة خاصة به لها مفرداتها ومقوماتها لمميزة، وتجربته بهذا المعنى تشابه إلى حد بعيد التجربة اللوركية التي أوجدت فتحاً جديداً في دنيا الشعر الاسباني مستقى من معطيات التراث الوطني وحميم الروح الإسبانية دون أن تخلوا من مواجهة المشكلة التي يعانيها التعبير الشعري والقيود التي فرضت عليه، وبالتالي الاندفاع نحو التحرر والانطلاق إلى الخلق والإبداع.

إن تواجد نزار قباني في مدريد من خلال عمله الدبلوماسي وإعجابه باللغة الإسبانية إلى حد تعلمها وإتقانها جعله يتذوق شعر فيدر يكو لوركا ويسبر أغواره وقد بلغ شف نزار بشعر لوركا بأن وصف الإسبانية بأنها ” لغة الشعر والفن والنار ، ولا تقبل الحياد لأنها ثورية بطبعها “.

لقد تخبط كلاً من الشاعرين في طفولتهما وعهد المراهقة في أنواع شتى من الفنون ، فلوركا أحب التمثيل والموسيقى والغناء قبل أن يجد في الشعر ضالته المنشودة ، وكذلك نزار جرب الرسم والألوان و الموسيقا إلى أن اهتدى إلى ينبوع القصيدة ليغرف منه بنهم شديد ، واستطاع هذان الشاعران أن يجعلا من القصيدة خبزاً لكل الناس ويتما هوا مع أوجاعهم وأحلامهم .

كلا الشاعرين آمنا بأن الحب صنو للحرية لا تتم إلا يهما الحياة وتكتمل مناخاتها القدسية ، نزار قال :

(( يا سياف أقطع رأسه / وهات لي الرأس على صينية / يا ملك الزمان أن تقتلني / فمستحيل تقتل الحرية )).

وعلى لسان أحد شخوص مسرحية ماريانا يشدوا لوركا: ” ما الإنسان دون حرية يا ماريانا، ودون الضوء الثابت المتناسق الذي نشعر به في أعماقنا، وكيف يسعني أن أحبك إذا لم أكن حراً؟ قولي كيف يمكنني أن أعطيك هذا القلب القوي إذا لم يكن ملكي “.

أما القمر ذلك المخلوق الجميل فله حضوره المؤثر والبهي على المساحة الشعرية في ذاكرة لوركا ونزار، فالأول جعل منه رمزاً يحذر من مأساة قادمة تتربص بالشعب الإسباني، تلك المأساة التي تجلت بأبشع حرب أهلية عرفتها أوروبا وكان لوركا أحد ضحاياها: “ويترك القمر مدية / في فضاء الليل الذي يوشحه / وتتربص المدية من غل / لتضحي الألم الذي ينطف الدم / افتحوا صدور الإنسانية لأدخل فيها وأنعم بالدفء “

أما في قصيدة ” خبز وقمر وحشيش ” فقمر نزار ليس للعشق والجمال، بل هو يعبر عن كثير من مثالبنا وصورة تنضح بخطايانا وأوهامنا: ” ما الذي يفعله ضوء القمر / ببلادي …. ببلاد الأنبياء / وبلاد البس

طاء / فالملايين التي تركض من دون نعال / الملايين التي لا تلتقي الخبز إلا بالخيال / والتي تسكن بيوت من سعال / في بلادي حيث يبكي الأغنياء / دنيا دون الهلال …. يا هلال / أيها النبع الذي يمطر ماس / وحشيش ونعال / دمت للشرق … لنا … عنقود ماس / للملايين التي عطلت فيها الحواس “.

ويتعرف العندليبان بأن القصيدة لا يتأتى لها أن تبلغ الكمال مهما وصلت العبقرية بصاحبها، لأن الشعر على حد تعبير أحدهم كالحب لا يقف على الضوء الأحمر إذ يقول نزار: ” من ثلاثين سنة / أحلم بالتغيير / وأكتب القصيدة الثورة … والقصيدة الأزمة / والقصيدة الحرير /وكلما راجعت أعمالي التي كتبتها قبيل أن أراك يا حبيبتي / أشعر بالتقصير “.

الخبز، القمر، المرأة، الحرية مفردات تحولت إلى مغازل تنسج الفرح والحلم والأمل في أشعار لوركا ونزار لتعشعش بعدها في ضمائرنا.

غرناطة الهوى والجريمة:

غرناطة مدينة الحب والجمال التي كانت تنزف على الدوام شعراً وجمالاً احتضنت الشاعران وأحبتهما بقدر ما أحباها، فيها أبصر لوركا النور وتفتحت موهبته الفذة وتمنى لو أنها بقيت عربية كاسمها، فحين سأله (باكاريا): ” أتضن يا فيدريكو أنها لحظة سعيدة، تلك التي سلم العرب فيها غرناطة إلى المنتصرين ـ الإسبان ـ، فيجيبه لوركا بحزن عميق ” “على العكس فقد كانت كارثة لنا، أن حضارة رائعة وشعراً وفلكاً ورهافة ذوق لا مثيل لها في الدنيا قد زالت وانتهت لتبقى بعد ذلك مدينة ضئيلة تعج بالأدران والحقارات “.

غرناطة الأندلس كانت عصر الحب الذي لن يعود بالنسبة للوركا: “واحسرتا، أيها الحب / يامن مضيت ولن تعود / لنهر الوادي الكبير / غثنون أحمر اللون /ونهرا غرناطة / إحداهما يذرف دمعاً والآخر ينزف دماً “

وعندما زار شاعر الياسمين غرناطة أحس بألم الفجيعة ونكأ جرحاً قديم موجع ،لتتجلى الكارثة أمام عينيه وكأنها حدثت في الأمس : “لم يبق من غرناطة / ومن بني الأحمر / إلا ما يقوله الراوية / وغير (لا غالب إلا لله ) / تلقاك بكل زاوية / لم يبق إلا قصرهم / كامرأة ـ لا زالت ـ على قصة حب ماضية / مضت قرون خمسة … يا غالية / كأننا نخرج هذا اليوم من اسبانيا / .

لقد كانت غرناطة في وجدان نزار رمزاً لنهضة متوثبة تعيد ما فقدوه، وإصرار على إثبات الوجود، ففي عيون غرناطة كان يرى حبيبته دمشق وغاليته بيروت وسائر المدن العربية: “ودمشق أين تكون قلت ترينها / في شعرك المنساب نهر سواد /في وجهك العربي، في الثغر الذي / مازال مختزناً شموس بلادي “.

شهدت غرناطة عبر تاريخها جريمتين بشعتين، الأولى بخروج العرب منها والثانية بمقتل فراشتها الزاهية لوركا فوق ثراها دافعاً ثمن نبوغه وشعره، وحلمه في نزر يسير من الحرية، فنردد مع نزار بوجيب الحزن وأسى الكلمات:” ها نحن ندخل مرة أخرى لعصر الجاهلية/ حيث الكتابة رحلة بين الشظية والشظية /حيث اغتيال فراشة في حقلها /صار القضية “.

نير فانا الشعر:

نزار ولوركا وجهان من أوجه عديدة لمسمى واحد هو الشعر، وروح القصيدة لا تعترف بشرق أو بغرب لأنها انبثقت من رحم الوجود لتأليف سلسلة ل متناهية، سرمدية تتوهج بالحب والعطاء، لوركا ونزار أصحاب قضية إنسانية واحدة قد تكون الأبعاد مختلفة عندهما، ولكن الجوهر واحد، فبذلك لا ينتمي شعرهما إلى الإيديولوجية، بل يهدم بمعوله حواجز الشرق والغرب معلناً إن الإنسان هو الغاية.

نزار كان يفر من الألقاب ويكرهها، ليس لأنه يعتبرها ترفاً لا مبرر له فحسب، بل ربما لأنها تهدد نرجسية الشاعر المتمثلة بالعطاء، المتدفق أيضاً، لذلك كان يردد دائماً أن هناك متنبي واحد وامرؤ القيس واحد وكذلك هناك نزار واحد.

ورغم ذلك لا ضير أن ندعوه من حين إلى آخر لوركا الشرق لعل ذلك يذكرنا بهما إذا تجرأت الذاكرة على النسيان أو كي نعزي النفس برؤية الاسمين ينجدلان في ضفيرة واحدة رغم علمنا بأن العندليب عندما يسافر لا يرجع أو ربما هي فلسفة الحنين والأصالة في مواجهة منطق الغريب والزيف.

لوركا ببراءة الأطفال لم يعتقد برحيله وغيابه يوماً، فقد كان يعلم أنه باق بين ظهرنينا يمطرنا بالماس والذهب:

” أريد أن أنام برهة / لحظةً واحدةً، دقيقةً، دهراً/ ولكن ليعلم الجميع أن فوق شفتي وإن لم أمت منجماً للذهب /

وإنني الظل الكبير لدموعي “.

ويبقى للقصيدة ثمنها الخاص ـ كما يرى نزار ـ يدفعه الشاعر من دمه وعرقه حتى تلين له وتقبل أن تكون معشوقته لينثرها ياقوتاً وياسميناً في جلجلة الآلام فتصفو النفوس وتستعيد ألقها في زحمة الضياع والتشرد :

” شنقوني في سبيل الشعر مرات ومرات /ويبدو أنهم ما قتلوني / حاولوا أن يقلعوا الثورة من قلبي وأوراقي /

ويبدوا أنهم داخل الثورة ـ يا سيدتي ـ / قد زرعوني “.

رحل نزار وقبله لوركا جسداً لكن شعرهما بقي تراتيل روحية وجدانية متواشجة تتلى في محراب القلب فتدمع العين ويلتمع الأمل وينتحب الياسمين وينتحر الألم .

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *