موقع الإعلامي فايز أبو عيد

الكهرباء في سوريا.. معادلة الغلاء والانقطاع

فايز أبو عيد

يعيش المواطنون السوريون والفلسطينيون في سوريا واقعاً متناقضاً يكشف عن فجوة عميقة بين الواقع المعيشي والمورد المحدود والسياسات المطبقة على الأرض.

الفجوة هذه تجسدت بشكل صارخ في ملف الكهرباء، حيث تحولت فواتير الاستهلاك إلى أداة تمييز جغرافي وطبقي، جعلت من “يملك عداداً كهربائياً” يعيش كابوساً حقيقياً، بينما يعيش جاره الذي لا يملك عداداً في نعيم نسبي بفضل نظام “المقطوع” الذي حددته الحكومة مؤقتاً.

المأساة تتضاعف عندما يتعلق الأمر بالسوريين والفلسطينيين، الذين يعيش كثيرون منهم في مناطق مستأجرة، مما يجعلهم عرضة لضغوط مضاعفة: فواتير الكهرباء الخيالية من جهة، وجشع أصحاب العقارات الذين يستغلون الفواتير كورقة ضغط إضافية للمطالبة بتأمينات مرتفعة أو رفع الإيجارات من جهة أخرى.

بينما في مناطق أخرى، يفضل السوريون والفلسطينيون أنفسهم عدم تركيب عدادات، بعد أن أدركوا أن “المقطوع” الذي كان يعتبرونه ظلماً في الماضي أصبح اليوم نعمة تحميهم من الإفلاس.

“حكاية فاتورة” بـ 1.8 مليون

في حي المطار بمدينة درعا، وهي منطقة مزودة بعدادات كهربائية قديمة، يعيش “أبو زيد “، وهو فلسطيني في الخمسينات من عمره، اضطرته الظروف إلى النزوح من مخيمه الأصلي في الحجر الأسود واستئجار شقة في المدينة، يعمل ابو زيد في مهنة بسيطة لا يتجاوز دخلها الشهري المليونين ليرة سورية، وهو مبلغ بالكاد يكفي لتأمين الطعام والاحتياجات الأساسية لعائلته الصغيرة.

لكن كارثة حلت به عندما وصلته فاتورة الكهرباء عن الدورة الأخيرة (شهرين)، المبلغ كان مليوناً و800 ألف ليرة، أي ما يعادل راتب شهر من دخله بالكامل.

يقول أبو زيد في شهادته التي رواها: “عندما رأيت الرقم، ظننت أنه خطأ، عدت إلى العداد وتأكدت من القراءة، لكن الفاتورة كانت صحيحة بحسب التعرفة الجديدة، القصة لم تنته هنا.”

أبو زيد، مثل كثير من المستأجرين في المناطق المزودة بعدادات، ذهب إلى صاحب المنزل ليشرح له وضعه ويطلب مهلة لتسديد الفاتورة أو تقسيط المبلغ على دفعات. لكن رد صاحب البيت كان قاسياً ومفاجئاً، كما يصفه أبو زيد: “قال لي حرفياً: إما أن تدفع كامل الفاتورة فوراً، أو سأضع عليك تأميناً إضافياً بقيمة 500 دولار أميركي، لحين أن يتضح وضع الكهرباء في سوريا ويعرف مصير الفواتير القادمة، وإذا لم تقبل، فالشقة ليست وحدها في المدينة.”

أبو زيد يشرح أن التأمين الأصلي الذي دفعه عند استئجار الشقة كان 300 دولار، وهو مبلغ كبير بنفسه، الآن يطالبه صاحب البيت بـ 500 دولار إضافية، أي ما يعادل أكثر من 6 ملايين ليرة سورية، مبلغ لا يملكه ولا يستطيع جمعه، حتى لو ادخر لأشهر، يضيف أبو زيد بمرارة: “لم أعد أعلم ما هو الأصعب: فاتورة الكهرباء التي تلتهم راتبي، أم صاحب البيت الذي يهددني بالطرد كلما تأخرت في الدفع، أم أزمة الإيجارات المرتفعة أصلاً والتي لا يبدو أن أحداً في الدولة يريد حلها.”

أبو زيد ليس حالة فردية، في حي المطار وأحياء درعا الأخرى التي تملك عدادات، ترددت شهادات كثيرة مماثلة. أصحاب البيوت أصبحوا يستغلون أزمة الكهرباء لابتزاز المستأجرين الفلسطينيين والسوريين، وفي المقابل، لا توجد أي آلية قانونية لحماية المستأجرين من هذه الممارسات، ولا أي جهة يمكن التوجه إليها للشكوى أو فض النزاع.

“لا تركب عداداً”:

على بعد أقل من كيلومتر واحد من حي المطار، وفي أحد مباني الإيواء التابعة سابقاً لوكالة الغوث الدولية (الأونروا)، يعيش “أبو محمود” (55 عاماً)، وهو فلسطيني آخر، لكن تجربته مع الكهرباء مختلفة تماماً، أبو محمود انتقل إلى هذا المبنى قبل عدة أشهر، وفكر في البداية بتركيب عداد كهرباء خاص لشقته، كما يفعل أي شخص عادي، ليكون له استهلاك مستقل وفاتورة واضحة.

لكن الجيران، وهم من الفلسطينيين القدامى في المبنى، نصحوه بعدم القيام بذلك. يقول أبو محمود: “جاءني الجيران وقالوا لي: ‘لا تركب عداداً يا أبا محمود، المبنى كله ليس لديه عدادات، وشركة الكهرباء حسبتنا على نظام المقطوع.

سندفع فاتورة ثابتة مقدارها 350 ألف ليرة لكل دورة شهرين، بغض النظر عن كمية الكهرباء التي نستهلكها’، في البداية لم أصدق، ظننت أنهم يمزحون.”

لكن بعد التحقق، تبين أن كلام الجيران صحيح تماماً، وزارة الطاقة والمؤسسة العامة للكهرباء، وبسبب عدم توفر العدادات الأحادية الطور في مناطق كثيرة، اعتمدت نظاماً مؤقتاً لتقدير استهلاك المشتركين الذين لا يملكون عدادات، وقدرت الاستهلاك بـ 400 كيلوواط لكل دورة شهرين، وهو ما ينتج عنه فاتورة لا تتجاوز 350 ألف ليرة في معظم الحالات.

أبو محمود يتذكر تلك اللحظة التي أدرك فيها أن عدم تركيب عداد هو أفضل قرار يمكن أن يتخذه: “الآن أنا أشغل الدفاية الكهربائية طوال اليوم، والفرن الكهربائي لطبخ الطعام، وسخان المياه الساخن للاستحمام، والتلفاز لساعات طويلة. لا أخاف من الفاتورة، أدفع 350 ألفاً فقط عن كل شهرين.

أما أبو زيد الذي يعيش في حي المطار ويبعد عنه عشر دقائق سيراً على الأقدام، فيدفع مليوناً و800 ألف عن نفس الفترة، وهو لا يشغل حتى نصف ما يشغله أبو محمود، لأنه خائف من ارتفاع الفاتورة.”

أبو محمود يضحك بسخرية وهو يضيف: “اليوم أدعو الله ألا يركبوا لنا عدادات أبداً بس سماعه تلك الارقام الضخمة لفواتير الكهرباء.

وهنا يبدو السؤال مباحاً: كيف يكون من يملك عداداً يعاقب بفاتورة خيالية، ومن لا يملك يكافأ بفاتورة ثابتة ومنخفضة؟ هذا هو الجنون بعينه.

محمود عثمان من مخيم جلين: المقطوع ثابت ونعمة

تأكيداً لهذا الواقع، يتحدث الفلسطيني “محمود عثمان” (٤٠ عاماً)، المقيم في مخيم جلين بريف درعا، وهو مخيم لا يزال يفتقر إلى العدادات نتيجة الحرب التي عاشتها سورية.

يقول: “فاتورتنا المقطوعة لا تتجاوز 350 ألف ليرة لكل دورة شهرين، هذا رقم ثابت ونعمة كبيرة في ظل الظروف الحالية، جيراننا في المناطق المجاورة التي تملك عدادات يدفعون أضعاف أضعاف هذا المبلغ، ومع ذلك فهم لا يحصلون على خدمة أفضل منا.”

ورغم استفادته المباشرة من هذا النظام، يرى محمود أن الفوارق القائمة في تكاليف الكهرباء تعكس حالة من عدم العدالة، متسائلاً: “إذا كانت العدالة وتكافؤ الفرص من أولويات المرحلة الجديدة، فكيف يمكن تفسير هذا التفاوت الكبير بين سكان المنطقة الواحدة؟ وكيف يجد من اضطر إلى النزوح بحثاً عن الأمان نفسه اليوم أمام أعباء إضافية تتعلق بالسكن وفواتير الكهرباء في آنٍ معاً؟”

فواتير قادمة ستكون الأسوأ على الإطلاق

الخوف الأكبر الذي يسيطر على أصحاب العدادات اليوم، وخصوصاً منهم الذين يعيشون في مناطق مستأجرة، هو أن فواتير الدورة القادمة (الأولى والثانية من عام 2026، والتي تليها الثالثة والرابعة) ستكون الأعلى على الإطلاق، السبب بسيط ومزدوج.

أولاً، فصل الشتاء الذي شهده السوريون كان قاسياً، مع درجات حرارة متدنية جداً، مما اضطر الجميع إلى استخدام وسائل التدفئة الكهربائية: الدفايات، السخانات، المدافئ الزيتية.

وفي ظل أزمة خانقة في مادة الغاز (سواء الغاز المنزلي أو غاز التدفئة)، حيث ارتفعت أسعار الأسطوانة في السوق السوداء إلى أرقام خرافية لا يستطيع تحملها إلا القليل، أصبحت الكهرباء هي البديل الوحيد المتاح للتدفئة.

ثانياً، شهر رمضان المبارك الذي صادف هذا العام شهري آذار ونيسان، وهو شهر يزداد فيه استهلاك الكهرباء بشكل كبير. فمع ساعات الصيام الطويلة، يكثر استخدام الأفران الكهربائية لتحضير وجبات الإفطار والسحور، وتشغيل التلفاز لساعات طويلة لمتابعة البرامج والمسلسلات، واستخدام الخلاطات والمحضرات الكهربائية، إضافة إلى الإضاءة المتواصلة طوال الليل.

هذان العاملان معاً يعنيان أن استهلاك الكهرباء لدى الأسر التي تملك عدادات سيكون أعلى بكثير من استهلاكها في الفترات السابقة، وهذا بدوره يعني فواتير ستتجاوز بكثير المليونين الليرة، وربما تصل إلى ثلاثة أو أربعة ملايين، وهو رقم كارثي بالنسبة لموظف يتقاضى مليون ليرة شهرياً، أو متقاعد يتقاضى 800 ألف.

تقول إحدى السيدات الفلسطينيات في درعا، طالبة عدم ذكر اسمها: “أنا خائفة جداً من الفاتورة القادمة، في رمضان، لم أستطع الطبخ إلا على الفرن الكهربائي، لأن الغاز لم يكن متوفراً، والسخان الكهربائي شغال طوال الوقت لأن الجو بارد، ابني يذاكر على التلفاز والإنترنت، كيف سأدفع؟ صاحب البيت يهددني كل يوم، يقول لي إذا ما دفعتي الفاتورة فور صدورها، سأخرجك من الشقة، أين أذهب؟ ليس لدي مكان آخر.”

بين المطرقة والسندان:

ما يعيشه السوريون والفلسطينيون في سوريا اليوم هو نموذج مصغر للأزمة العامة التي يعاني منها الجميع، لكن مع طبقة إضافية من الضعف.

عندما يرتفع الإيجار، لا يستطيع المستأجر الاعتراض كثيراً، لأنه يعلم أن هناك عشرة غيره ينتظرون في الطابور لاستئجار الشقة، وعندما يطلب صاحب البيت تأميناً إضافياً، لا يستطيع رفض الطلب خوفاً من الطرد، وعندما تأتي فاتورة كهرباء خيالية، لا يجد من يحميه أو يدافع عنه.

يقول الناشط فلسطيني في مخيم درعا، فضل عدم الكشف عن هويته: “نحن نعيش في حلقة مفرغة، الإيجارات تتضخم كل شهر دون أي ضوابط، أصحاب البيوت يطلبون تأمينات بقيمة 500 دولار أو أكثر، ويستخدمون هذه التأمينات كورقة ضغط دائمة.

والآن، انضمت إليها فواتير الكهرباء كأداة جديدة للابتزاز.

غياب الحلول

منذ اندلاع أزمة فواتير الكهرباء قبل أشهر، وحتى اليوم، لم تصدر أي جهة رسمية في الحكومة السورية الانتقالية بياناً واضحاً أو تفسيراً مقنعاً لسياسة التسعير والتمييز بين المناطق التي تملك عدادات والمناطق التي لا تملكها.

وزارة الطاقة ظلت صامتة، والمؤسسة العامة للكهرباء اكتفت بإصدار تعليماتها الإدارية دون الدخول في أي نقاش عام حول العدالة أو المساواة.

المطلوب، كما يؤكد كل من تحدثنا إليهم، هو حل جذري لهذا التناقض، هناك خياران مطروحان، ولا ثالث لهما. الأول: تعميم نظام “المقطوع” العادل على كل المناطق التي تعاني من تقنين الكهرباء وتوقف تركيب العدادات فيها، على أن يتم رفع سقف الاستهلاك المقدر من 400 كيلوواط إلى 600 أو 800 كيلوواط لكل دورة، ليكون أكثر إنصافاً للاحتياجات الأساسية للأسر.

الثاني: تركيب العدادات الذكية أو الأحادية الطور لكل المشتركين دون استثناء خلال مهلة زمنية محددة لا تتجاوز ستة أشهر، مع تقديم دعم حكومي حقيقي للفئات الأكثر فقراً لمساعدتها على تجاوز فترة الانتقال ودفع الفواتير الأولى.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *