موقع فايز أبو عيد

الموقف المدروس للمثقف الفلسطيني الحيران في سورية

فايز أبو عيد

منذ اندلاع الثورة السورية، لم يكن السؤال موجهاً فقط إلى الساسة أو السواد الأعظم من الناس، بل إلى المثقف ذاته: أين يقف؟ ولماذا يقف هنا لا هناك؟ وهل ما زال المثقف ضميراً ناقداً، أم تحول – كما يقال – إلى كائن ينتعش على الأزمات، وربما يصنعها كي يتصدّر مشهد تفسيرها لاحقًا؟

وكما يقولون: “إن المثقف هو المنتعش الذي يحيا على تعاقب الأزمات، كما يزعم بعضهم أن المثقف ربما فبرك مشكلة ليخلق أزمة، ليصبح أحد المنظرين أخيرا لحل الأزمة، وتعمم هذه التهمة لتصبح لصيقة بالمثقف.

إذاً تلاحق هذه التهمة المثقف قديمه ومعاصره؛ من فولتير الذي دافع عن حرية التعبير حتى خصومه، إلى سارتر الذي رأى نفسه شاهداً على عصره، مرورًا بمحمد عبده وروّاد النهضة، وصولًا إلى حسن حنفي الذي تصرّف بوصفه «فقيه الأمة» وحارس الهوية.

لكن، هل الاستدعاء الدائم لهذه الأسماء يبرّئ المثقف المعاصر، أم يضاعف الأسئلة حول دوره الحقيقي اليوم؟

ثم ماذا عن الذين بقوا؟ سؤال طالما أثار جدلًا واسعًا لم يهدأ، وفتح سيلًا من الأسئلة والالتباسات وعلامات الاستفهام منها:

أكان بقاؤهم موقفًا سياسيًا أم محاولة للبقاء أحياء؟

وهل الحياد في زمن المقتلة حيادٌ فعلي، أم شكل آخر من أشكال الانحياز الصامت؟

 وكيف يمكن قراءة مواقف مثقفين وجدوا أنفسهم تحت وطأة الاستدعاءات والاعتقالات والتهديد، فمال بعضهم إلى سياسات السلطة اتقاءً لسيف الانتقام؟

من نافل القول: إن الثورة السورية كانت مصدر تضارب في الرؤى بين عموم أجيال المثقفين الفلسطينيين المقيمين في سورية قبل غيرهم، لسبب بسيط كونهم عاشوا كل المراحل

الماضية من مراحل الاعتقالات التي شهدتها سورية، من انقلابات وتحولات، حتى

بدأت المرحلة الحاسمة عام 1963، بانقلاب حزب البعث وسيطرة العسكر داخل الجيش

من المنتمين للبعث بقيادة اللواء محمد عمران، واطباقهم بشكل تام على الحياة

العامة في البلد، وتهميش حتى قيادة حزب البعث الحاكم، واقصاء قياداته المدنية.

وانهاء باقي الأحزاب، بل واخصاء المجتمع بأبعاده عن الحياة السياسية لصالح

النظام الجديد، الذي تتالت الهزات داخله بين العسكر أنفسهم وصولاً للعام 1970

وحتى الآن.

لذلك إن ما وقع في سورية ليس مقطوع الجذور عن المرحلة بأكملها منذ العام 1963

الى العام 1970 الى الآن. ولم تكن الثورة التي هبت على البلد عام 2011 صاعقة

في سماء صافية. بل كان لها على الدوام مقدماتها وحيثياتها، وإن تأخرت رياحها.

وفي لهيب الثورة السورية لم يكن المثقف الفلسطيني – كما السوري – خارج دائرة الامتحان الأخلاقي والسياسي، لم تكن الأسئلة ترفًا فكريًا، بل أسئلة وجود: أين تقف حين تُقصف المدن؟ ماذا تفعل حين يُعتقل الجار؟ وكيف تكتب حين تصبح الكلمة نفسها تهمة؟

تحت هذا الضغط، تمايزت مواقف المثقفين إلى ثلاث مسارات كبرى، لا يمكن قراءتها بمعزل عن الخوف، ولا عن التاريخ الطويل من القمع، ولا عن هشاشة وضع الفلسطيني في سورية أصلًا.

فريق أول اختار الانحياز الصريح للنظام السوري، ودافع عنه بوصفه الدولة والاستقرار والقلعة الأخيرة في وجه المؤامرة الكونية، في حين بعض هؤلاء لم يكتفِ بالصمت أو التبرير، بل تحوّل إلى جزء من خطاب السلطة، يشيطن الضحايا، ويبرر القتل باسم السيادة، ويختزل الثورة – بكل تعقيداتها – في سردية أمنية واحدة.

هذا الانحياز لم يكن دائمًا نابعًا من قناعة أيديولوجية صلبة، بقدر ما كان في كثير من الأحيان نتاج خوف قديم، أو مصلحة مباشرة، أو وهم أن الوقوف مع السلطة هو الطريق الوحيد للبقاء. غير أن هذا الخيار وضع أصحابه في مواجهة سؤال أخلاقي قاسٍ: هل الدفاع عن السلطة والدولة يبرر التغاضي عن المقابر الجماعية والدمار والاعتقال؟

في المقابل، اختار مثقفون فلسطينيون آخرون طريق الفرار خارج البلاد، حيث لم يكن الهروب هنا نزهة، بل كان في كثير من الأحيان خياراً قاسياً اتُّخذ تحت ضغط الخوف المباشر، أو بعد تهديد واعتقال واستدعاءات أمنية. هؤلاء حملوا معهم شعوراً مزدوجاً: نجاة جسدية يقابلها ثقل الذنب.

في المنافي، حاول بعضهم إعادة بناء صوته والكتابة بحرية، فيما انكفأ آخرون تحت وطأة الغربة، أو استهلكتهم معارك الحياة اليومية، ورغم أن مغادرتهم أنقذتهم من آلة القمع، إلا أنها فتحت عليهم سؤالاً آخر: هل يكفي أن تكتب من الخارج لتبرئ نفسك من صمت الداخل؟

أما الفريق الثالث، وهو الأوسع عدداً وربما الأكثر التباساً، اختار الصمت، صمتٌ لم يكن بالضرورة قبولاً أو تأييداً، بل كان في كثير من الأحيان استراتيجية بقاء. هؤلاء ظلوا في البلاد، يراقبون المشهد من خلف ستار الخوف، يكتبون في العموميات، أو يلوذون بالثقافة الآمنة، أو يحصرون نشاطهم في القضية الفلسطينية وحدها، هربًا من سؤال الداخل السوري. هذا الصمت، وإن كان مفهوماً إنسانياً في سياق الرعب، إلا أنه بقي موضع مساءلة: هل الصمت موقف؟ أم انسحاب من المسؤولية؟ وهل يملك المثقف رفاهية الحياد حين تتحول الحياة إلى جريمة يومية؟

وأخيراً يمكن القول: إنه بين الانحياز، والمنفى، والصمت، لم يكن المثقف الفلسطيني في سورية حراً بالكامل في خياراته، فقد كان محكومًا بوضع قانوني هش، وذاكرة مثقلة بالاعتقال، وخوف مضاعف من فقدان الملاذ الأخير.

السؤال الذي يبقى مفتوحًا اليوم ليس من أخطأ ومن أصاب، بل: ماذا بقي من دور المثقف بعد كل هذا الخراب؟ وهل يمكن استعادة معنى الثقافة بوصفها موقفاً أخلاقياً، لا مجرد مهارة لغوية أو موقع آمن؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *