موقع الإعلامي فايز أبو عيد

عائلة السعدي الفلسطينية تثري تراب حوران في مدينة جاسم بدرعا

فايز أبو عيد

تقع مدينة جاسم في الجزء الشمالي من محافظة درعا في الجنوب السوري، وتُعتبر من أبرز المدن في المحافظة إلى موقعها الاستراتيجي الهام. تتمركز جاسم على الطريق التاريخي القديم الذي يربط بين دمشق ودرعا، مما منحها أهمية تجارية وحضارية عبر العصور جعلت منها محطة رئيسية للقوافل والمسافرين.

تبعد جاسم عن مدينة درعا مركز المحافظة مسافة حوالي 35 كيلومترًا نحو الشمال، مما يضعها في موقع وسطي يؤهلها لكونها حلقة وصل بين شمال المحافظة وجنوبها، وبين الريف والمدينة.

ولعل أبرز ما يُميز تاريخ جاسم الحديث هو ارتباطها باسم الشاعر العباسي الكبير أبي تمام حبيب بن أوس الطائي، حيث تشير العديد من المصادر التاريخية إلى أنها مسقط رأسه وموطنه الأصلي، فقد وُلد أبو تمام، صاحب الحكمة والبلاغة وديوان “الحماسة” الخالد، في جاسم، التي كانت تعرف في زمانه بحاضرة من حواضر حوران، لتنشئ أحد أعمدة الأدب العربي الذي لا يزال يُدرس حتى يومنا.

 طريق اللجوء من فلسطين لجاسم

في قلب محافظة درعا السورية، وتحديداً في مدينة جاسم العريقة، تقيم عائلة تحمل في هويتها قصة شعب وذاكرة وطن.

إنها عائلة “السعدي” الفلسطينية، التي مثلت نموذجاً رائعاً للاندماج الإيجابي والمساهمة الفاعلة في بناء المجتمع السوري، دون أن تنسى يوماً جذورها المغروسة في أرض فلسطين.

تعود أصول عائلة السعدي إلى مدن الشمال الفلسطيني كصفد وعكا والجليل والتي شهدت أحداث النكبة عام 1948 وتهجير معظم سكانها العرب، كغيرهم من آلاف الفلسطينيين، لقد اضطر أفراد العائلة لترك ديارهم وموطن أجدادهم، لتبدأ رحلة لجوء جديدة. وقد استقر جزء منهم في مدينة جاسم في محافظة درعا، والتي أصبحت وطناً ثانياً لهم، يجمع بين دفء أهل حوران وصدق الانتماء لفلسطين.

لم يكن استقرارهم مجرد إقامة، بل كان اندماجاً عميقاً في نسيج المدينة الاجتماعي والاقتصادي.

تقدر المصادر المحلية عدد أفراد العائلة بأكثر من 200 فرد، وهو عدد يعتبر ملحوظاً ويشكل جزءاً مهماً من المجتمع المحلي، حيث بنوا بيوتاً إلى جوار بيوت أهالي جاسم الأصليين، وشاركوهم الفرح والترح.

إرث تعليمي وطبي متميز

تميزت عائلة السعدي بإسهامات نوعية في مجالي التعليم والطب، تركوا من خلالها أثراً طيباً لا يزال أهل جاسم يذكرونه لهم.

منهم المربي الفاضل فايز محمد علي السعدي (أبو هشام) (1926 – 2013):

إذ يعتبر الأستاذ فايز السعدي من أبرز رجالات التربية والتعليم ليس في جاسم فحسب، بل في محافظة درعا كلها، وهو من مواليد قرية الزيب قضاء عكا، حصل على “أهلية التعليم” من مدينة طولكرم عام 1945، بعد النكبة، استقر في جاسم ليتفرغ لرسالته السامية في تعليم الأجيال.

تولى إدارة المدرسة الريفية في جاسم، التي قادها لتصبح المدرسة الأولى على مستوى المحافظة بتميز طلابها.

لكن فلسفته التربوية تجاوزت الحفظ والتلقين إلى بناء الإنسان، فقد أدرج حصصاً عملية لتعليم الطلاب الزراعة وزرع الأشجار المثمرة والخضروات، وكانوا يجنون ثمارها ويبيعونها، ليتبرع بريعها لفقراء وأرامل القرية.

لقد كان رحمه الله مثالاً للعطاء والإنسانية، ومازال اسمه يتردد كرمز للتربوي الصادق الذي كرّس حياته لخدمة مجتمعه.

أما الكادر الطبي المشرف:

فقد برز من العائلة عدد من الأطباء المتميزين الذين خدموا المجتمع المحلي، ومن أبرزهم: الدكتور أحمد السعدي: طبيب الأمراض الباطنية المعروف، والذي شغل لفترة منصب مدير “الجمعية الخيرية” الكائنة في كنيسة شمال الخط في درعا، وكانت له مساهمات كبيرة في مساعدة المحتاجين وتقديم الخدمات الطبية.

وهناك الدكتور عبد الحكيم السعدي: وهو أيضاً من الكوادر الطبية المعروفة في المنطقة، وقد شغل مدير المشفى الوطني بجاسم.

الشاعرة ابتسام الصمادي نموذجاً أصيلاً لحب فلسطين

تُمثِّل الشاعرة والبرلمانية السورية الدكتورة ابتسام الصمادي نموذجاً حياً للتداخل العميق بين الهويتين السورية والفلسطينية، فهي، على الرغم من تعريفها عن نفسها كسورية، إلا أنها تعود بأصولها إلى فلسطين قبل النكبة، وقد ارتبطت بعلاقة وثيقة مع النخب المثقفة في مخيم اليرموك، حيث عاشت جزءاً مهماً من حياتها.

كشاعرة وأكاديمية مرموقة حصلت على جائزة “توليولا” العالمية للشعر، إلا أنها في يوم 24من الشهر الجاري المقرر للتكريم وتسليم جائزة توليولا الايطالية العالمية في مجلس شيوخ الجمهورية الايطالية لهذا العام 2023 التي فازت بها في مجال الشعر، قائلة: أعلن أنا د.ابتسام الصمادي عن رفضي الذهاب لتسلمها استنكاراً لانضمام ايطاليا الى نظيراتها أمريكا وبريطانياوفرنسا في تضامنهم مع الكيان الصهيوني وحربه على شعبنا في غزة وقطع كل سبل الحياة عنها إضافة الى قصفه المتكالب حتى على المشافي وأطقم الإسعاف. وكنت قد اعلنت ذلك علناً في 14أكتوبر في أمسيتي في اتحاد النخب والأكاديميين العراقيين.

وقد ذكرها الكاتب خليل محمود الصمادي في كتابه “ذكريات من مخيم اليرموك” كواحدة من أبرز الشخصيات النسائية في المخيم، وهو ما يؤكد عمق ارتباطها بالقضية وانعكاسها للوجع المشترك والانتماء المتجذر لدى الكثيرين في مناطق مثل درعا ومسقط رأسها جاسم، التي استقرت فيها العديد من العائلات الفلسطينية التي قدمت بعد النكبة، كما هو حال عائلة السعدي، إلى جانب عائلات أخرى موجودة منذ زمن أقدم مثل عائلة الصمادي ذات الأفرع السورية والفلسطينية.

والمعروف عن الدكتورة ابتسام الصمادي مواقفها المشهودة، مثل موقفها السابق عندما رفضت استلام جائزة من إيطاليا احتجاجاً على جرائم الاحتلال الصهيوني، وتنديدها الدائم بجرائم هذا الاحتلال في فلسطين، إلى جانب نضالها ضد ما تعتبره جرائم النظام السوري، حتى إنها عُرفت بموقفها المساند للثورة السورية.

وعلى الرغم من جذورها الفلسطينية وتعريفها بكونها سورية، فإن دورها البارز ودعمها المتواصل للقضية الفلسطينية يجعلان ذكرها وإبراز مسيرتها عربون شكر وتقدير لما قدمته.

اندماج وتحديات

لم تكن حياة عائلة السعدي في جاسم منعزلة عن محيطها. لقد عاشوا نفس واقع الحياة اليومية لأهالي المدينة، بمشقاتها وحلوها.

شاركوهم الهموم ذاتها: مشكلة انقطاع الكهرباء، وشح المياه، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، كما كانوا جزءاً عضوياً من النسيج الاجتماعي، يبنون ويُعلّمون ويُداوون، ويشاركون في جميع مناحي الحياة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *