موقع الإعلامي فايز أبو عيد

غسان كنفاني في “يوم فلسطين”.. “رجال في الشمس” تجدد أسئلة اللجوء والذاكرة

بيت فلسطين – فايز أبو عيد

في إطار فعاليات “يوم فلسطين – التراثي والثقافي والفني”، التي شهدتها مدينة إسطنبول، نظّم بيت فلسطين للثقافة ندوة فكرية بعنوان: “غسان كنفاني اللاجئ الثائر – رواية رجال في الشمس أنموذجاً”، بمشاركة أكاديميين وكتّاب وبحضور نخبة من المهتمين بالشأن الثقافي الفلسطيني والعربي.

وتناولت الندوة تجربة الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني بوصفه أحد أبرز رموز الأدب المقاوم، الذي شكّل حضورًا استثنائيًا في الذاكرة الثقافية الفلسطينية والعربية، من خلال أعماله التي عكست مأساة اللجوء وأسئلة الهوية والمصير.

من جانبه، تناول الكاتب والروائي السوري الدكتور هيثم شبلخ البناء السردي في الرواية، معتبراً أنها تشكل محطة مفصلية في مسار تطور الرواية العربية الحديثة، لما تتضمنه من تكثيف درامي ورؤية نقدية عميقة للواقعين السياسي والاجتماعي.

وأشار شبلخ إلى أن الروائي الفلسطيني غسان كنفاني لم يكن مجرد كاتب عابر في التاريخ، بل مثّل صوتاً صادقاً خرج من قلب المعاناة الإنسانية والقضية العادلة، ما مكّنه من الإبداع في نقل الألم وتجسيد الصورة الحقيقية لمعاناة الشعب الفلسطيني. وأضاف أن ارتباط كنفاني بقضيته منح أعماله هذا الحضور الأدبي والإنساني اللافت، وربما ما كان ليحقق التأثير ذاته لو تناول قضايا أخرى بعيدة عن تجربته وواقعه.

وقدّم الشاعر والأكاديمي السوري الدكتور محمود الغوثاني قراءة نقدية موسعة لرواية رجال في الشمس، تناول فيها الأبعاد الرمزية والفكرية التي حملها النص، معتبراً أن الرواية تُعد من أبرز الأعمال الأدبية التي عبّرت بعمق عن معاناة الفلسطيني في المنفى وما يرافقها من شعور بالعجز والاغتراب.

وتوقف الغوثاني عند مشهد الصمت والموت داخل الصهريج، بوصفه استعارة مكثفة لحالة الفلسطيني الذي وجد نفسه محاصراً بين اللجوء والقهر وفقدان القدرة على إيصال صوته إلى العالم.

مشيراً إلى أن غسان كنفاني تعمّد في الرواية استخدام لغة بسيطة وقريبة من العامية، بما يتناسب مع طبيعة الشخصيات الشعبية التي جسّدتها الرواية، وهم رجال دفعتهم نكبة فلسطين وظروف التهجير القاسية إلى البحث عن حياة جديدة خارج وطنهم.

وأوضح أن كنفاني، رغم مكانته الأدبية الكبيرة، لم يسعَ في هذا العمل إلى استعراض كامل أدواته الفنية بقدر ما ركّز على نقل الألم الإنساني بصورة صادقة ومباشرة تصل إلى القارئ دون تعقيد.

مضيفاً أن النهاية المأساوية التي واجهها أبطال الرواية لم تكن مجرد حدث سردي، بل عكست مأساة الفلسطيني في كل مراحل اللجوء والشتات، حيث يتحول الموت والصمت إلى صورة رمزية لمعاناة شعب بأكمله ما زال يدفع ثمن النكبة حتى اليوم.

من جانبه، أكد مدير بيت فلسطين للثقافة الأستاذ سمير عطية أن هذه الندوة تندرج ضمن البرنامج الثقافي الواسع الهادف إلى إحياء الذاكرة الوطنية الفلسطينية وتعزيز حضور الأدب المقاوم في المشهد الثقافي العربي، مشدداً على أن استحضار تجربة الأديب الشهيد غسان كنفاني يمثل جزءاً أصيلاً من الوعي الجمعي الفلسطيني، لما تحمله أعماله من توثيق حيّ لمعاناة الشعب الفلسطيني وتشبثه بحقوقه الوطنية.

وأضاف عطية أن كثيرين قرأوا رواية رجال في الشمس بوصفها عملاً أدبياً يجسد المأساة الفلسطينية، لكنه عاش تفاصيلها بصورة واقعية من خلال قصص عائلته، موضحاً أن جد والدته، محمد سليم عطية، دخل إلى الكويت عبر صهريج مياه في ظروف مشابهة لتلك التي صوّرها كنفاني في الرواية، إلا أنه نجا من المصير المأساوي الذي واجهه أبطال العمل.

كما أشار إلى أنه عاش هذه الحكايات أيضاً من خلال والده، الذي كان يروي قصة خال والدته الذي اضطر للوصول إلى الكويت عبر طريق البحر هرباً من قسوة اللجوء وظروف التهجير.

وقال عطية إن هذه التجارب تختصر جانباً من معاناة الشعب الفلسطيني، الذي ظل عبر العقود يحاول النجاة والحفاظ على حياته وكرامته بمختلف الوسائل، في مواجهة واقع قاسٍ فرضته النكبة واللجوء.

وأضاف أن السؤال الذي طرحه كنفاني في نهاية الرواية: “لماذا لم يدقّوا جدران الخزان؟” ما يزال حاضراً حتى اليوم، بوصفه صرخة رمزية في وجه الصمت والعجز والتخلي عن الإنسان الفلسطيني.

واختتم عطية حديثه باقتباس مؤثر من رواية أم سعد لغسان كنفاني، جاء فيه: “قال لها: تصبحين على وطن، فقالت أم سعد: ما فيش حدا بنام وبيصحى بلاقي وطن بستناه”، في إشارة إلى أن الوطن لا يُستعاد بالأمنيات، بل بالصمود والتمسك بالحق والهوية.

اختُتمت الندوة بتكريم المشاركين تقديرًا لإسهاماتهم الفكرية، وسط أجواء ثقافية عكست تلاقي البعد التراثي والفني مع الخطاب الأدبي والفكري في الفعالية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *