
على أطراف الجولان السوري المحتل، وفي قلب محافظة القنيطرة جنوب غربي البلاد، تقع بلدة خان أرنبة، البلدة التي عاشت، مثل غيرها، فصولاً طويلة من النزوح والتهجير والحرب. غير أن خلف هذه الحكاية السورية العامة، تختبئ قصة أخرى أقل ظهوراً: قصة وجود فلسطيني متجذّر في المكان، لكنه بقي لعقود خارج الضوء، بلا إحصاءات رسمية، وبحضور خافت فرضته الجغرافيا والسياسة معاً.
خان أرنبة، الواقعة خارج منطقة مراقبة الأمم المتحدة وتحت سيطرة الحكومة السورية، تُعد مركزاً إدارياً واقتصادياً للمحافظة، لكنها أيضاً مساحة تماس دائمة مع الاحتلال الإسرائيلي، حيث التوغلات المتكررة والهشاشة الأمنية، ما جعل حياة سكانها، ومن بينهم الفلسطينيون، معلّقة على إيقاع التوتر الدائم.

وجود بلا تجمعات… وهوية بلا عنوان
لا تشبه خريطة الوجود الفلسطيني في خان أرنبة المخيمات المعروفة في سوريا. هنا لا تجمعات كبيرة، ولا شوارع تحمل أسماء فلسطينية، بل عائلات وأفراد متفرقون اندمجوا في النسيج المحلي، من دون أن يتخلّوا عن انتمائهم الأصلي. وجود قليل العدد، غير موثق، وغالباً ما يُقابل بالدهشة حتى من أبناء المنطقة أنفسهم.
يقول أحد الصحافيين المحليين، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن العثور على فلسطينيين في القنيطرة “يبدو مهمة شبه مستحيلة”، قبل أن يكتشف هو نفسه أن جذوره فلسطينية، فاتحاً بذلك باب التواصل مع عائلات أخفت هويتها الفلسطينية خلف أبواب البيوت لسنوات طويلة.

عائلات باسمين… وذاكرة من نزوحين
تُعد عائلة الحجازي أبرز العائلات الفلسطينية في البلدة. يوضح أبو محمد الحجازي (60 عاماً) أن العائلة تنقسم إلى فرعين: سوري وفلسطيني، وكلاهما أبناء عمومة. الفرع الفلسطيني نزح إلى الجولان بعد نكبة 1948، ثم أُجبر على نزوح ثانٍ عام 1967 باتجاه خان أرنبة، فيما كان الفرع السوري مستقراً في المنطقة قبل ذلك التاريخ. ويقدّر عدد الفلسطينيين من العائلة بنحو مئة شخص، توزعوا لاحقاً بين خان أرنبة ومناطق أخرى كجديدة عرطوز.
عائلة الغزي تمثل نموذجاً آخر لعودة متأخرة إلى الجذور. يشرح محمد الغزي، طالب جامعي في القنيطرة، أن كثيراً من العائلات السورية ذات الأصول الفلسطينية أعادت تسجيل نفسها كفلسطينية مع اندلاع الحرب السورية، هرباً من التجنيد الإجباري، أو بحثاً عن دعم وخدمات كان يوفرها “الكرت الأبيض” الفلسطيني في ظروف اقتصادية وأمنية خانقة. لكن هذه العودة لم تكن سهلة، بل احتاجت وقتاً وجهداً وتكاليف كبيرة.
هذه الظاهرة، أي انقسام العائلة الواحدة إلى فرعين سوري وفلسطيني، لا تقتصر على خان أرنبة، بل تتكرر في مناطق جنوب سوريا، كما في درعا، حيث تظهر عائلات مثل النابلسي وتميم والجرادات والأحمد وغيرها، موزعة بين هويتين فرضهما التاريخ القسري للنزوح.

تعليم وصحة… تحت سقف التهديد
رغم هشاشة الواقع الأمني، يواصل الشباب الفلسطيني في خان أرنبة تعليمهم الجامعي. محمد الحجازي، طالب اقتصاد في فرع جامعة دمشق بالقنيطرة، يشير إلى تحسن نسبي في الواقع التعليمي مقارنة بسنوات سابقة، خاصة بعد تخفيف الحواجز الأمنية على طريق دمشق – القنيطرة. وتضم المحافظة كليات أساسية، فيما حاولت إدارة الجامعة، بالتنسيق مع المحافظة، تأمين وسائل نقل للطلاب خلال فترات الامتحانات.
خدمياً، تتوفر في البلدة مراكز إسعاف ومستوصف ومركز علاج فيزيائي، إضافة إلى قربها من مستشفى الجولان الوطني. لكن هذا الاستقرار النسبي يبقى هشاً، إذ تكفي عملية توغل إسرائيلية واحدة لتعطيل الحياة اليومية، كما يؤكد الباحث مازن بلال، الذي يصف المنطقة بأنها “تعيش على حافة الانقطاع الدائم”.

عدد غير محسوم… وقلق مفتوح
لا توجد أرقام رسمية لعدد الفلسطينيين في خان أرنبة. التقديرات الشفهية تشير إلى نحو 100 شخص، لكن غياب الإحصاءات بعد أكثر من عقد من الحرب يجعل الرقم مفتوحاً على الاحتمال. ويأمل أبناء البلدة أن تقود أي عملية إحصاء مستقبلية إلى إعادة تنظيم الخدمات وتثبيت السكان في أماكنهم، خصوصاً أن كثيرين هاجروا إلى أوروبا وأميركا، كما فعل آلاف السوريين.

المصاهرة
وسط هذا التشتت، تحافظ العائلات الفلسطينية على روابطها عبر المصاهرة، في محاولة لإعادة وصل ما قطعه النزوح. يرى أبناء المجتمع أن هذه العلاقات ليست مجرد تقاليد اجتماعية، بل فعل صمود هادئ، يحفظ الهوية ويعيد إنتاج الانتماء في وجه الذوبان والنسيان.
بين التاريخ والاحتلال
خان أرنبة، التي يعود “خانها” الأثري إلى العصر المملوكي كمحطة للقوافل، تقف اليوم شرق خط “برافو” الفاصل للمنطقة العازلة. ووفق تقارير إعلامية، شهدت المنطقة تصاعداً في التوغلات الإسرائيلية خلال عام 2024، شملت حواجز طيّارة ودوريات واقتحامات، أسفرت عن إصابة مدنيين.

حكاية شهيد
يتجلى ارتباط الفلسطيني بهذه الأرض الباسلة من خلال التضحيات، ففي قرية خان أرنبة نفسها، استشهد خالد فؤاد أبو عيد خلال حرب تشرين التحريرية في أكتوبر 1973.
أبو عيد، ابن مخيم اليرموك وأصوله من قرية الجاعونة قضاء صفد المحتلة، استشهد دفاعاً عن الأرض السورية التي احتضنت عائلته، ليختصر قصته معنى التداخل العميق بين المسارين السوري والفلسطيني في مواجهة احتلال واحد.

