
فايز أبو عيد – دنيا الوطن
رغم حياته القصيرة استطاع لوركا بلبل اسبانيا وشاعرها المحبوب، أن يترك بصمات واضحة في دنيا الشعر الاسباني لدرجة أن “بابلو نيرودا” وصفه بأنه أعظم شاعر أنجبته اسبانيا، هو بالنسبة للأسبان في عالم القصيدة كسلفادور في التشكيل وكهيجل أو نامونوا أو أريتيجا جاسيت في الفكر والفلسفة. لوركا واحداً مما عرف بجيل السابع والعشرين وكان من أهدافه تحرير اسبانيا من حكم الجنرال فرانكو ومن سخرية القدر أنه قتل بأيدي ما يسمى بالثوار الوطنيين في بدايات الحرب الأهلية عام 1936.
شعر ومسرح …. وموسيقا:
أبصر “فدريكو غارثيا لوركا ” النور في مدينة غرناطة العريقة في الخامس من حزيران عام 1898، فعاش ثمانية وثلاثين عاماً قضاها محلقاً بين الشعر والفن والجمال، وبين ماركس ورامبو وبودلير وتولستوي ودوستويفسكي، اكتشف خلالها الشعر المأساوي وصقل موهبته وحريته معاً ليخرج بشعر يخصه وحده.
عاش في كنف أسرة ريفية ميسورة الحال أخذ عن والدته رهافة الحس وأناقة الذوق وعن أبيه حبه لموسيقا الفلامنغو الأصلية ،ورغم أن لوركا كان يمتلك صوتاً شجياً وتعلم العزف بسرعة على البيانو والغيتار ،إلا أنه اضطر دون رغبة منه إلى الالتحاق بكلية الحقوق بعد حصوله على الشهادة الثانوية ،بينما كان طموحه يميل إلى إتمام دراسته الموسيقية التي برع بها وأحبها مما دفعه لاحقاً إلى بذل محاولات جادة في إحياء مئات من أغاني التراث الاسباني كانت في غياهب النسيان بعد أن طبعها بروحه ورؤيته الخاصة ،و لا تزال أول مقطوعة موسيقية كتبها محفوظة في المتحف الخاص به في مدينة مدريد ،ويعد عام 1919 مرحلة فاصلة في حياة لوركا وذلك بعد رحيله إلى مدريد وإقامته في بيوت الطلبة ،هناك تعرف على عدد من رموز الإبداع والفن مثل: “سلفادور دالي ،وغلير ميو وغيلين” وآخرين . حيث بدأت ملكة الشعر لدية بالتوضيح أكثر وأخذت أبعاداً ومناخاً أكبر. خاصة بعد أن اختلط بالتيارات الفكرية السائدة في مدريد آنذاك.
سطع نجم لوركا في عالم الشعر بعد أن أصدر عدة دواوين لاقت نجاحاً واستحساناً كبيراً مثل ” الأغاني الأولى ” و”كانتو خاندو ” و “أغاني غجرية ” .وفي عام 1929 شد لوركا الرحال إلى نيويورك مدينة الفولاذ والحمم كما كان يحلو له أن يسميها ،وكان الفضول وحب المعرفة لاكتشاف عوالم وثقافات جديدة هو الدافع الأساسي لرحلته إلى القارة الجديدة ،لكنه أصيب بخيبة أمل شديدة فكانت الصدمة قاسية جداً عليه لما رآه من مظاهر ظلم وتمييز عنصري، مما دفعه إلى التفاعل بقوة مع معاناة الزنوج في أمريكا فوصف آلامهم وأوجاعهم بصورة شعرية دافئة وحميمية في ديوانه “شاعر في نيويورك ” فأبدع وقال : ” آه … يا هارلم .. هارلم ليس هناك شيء يعادل دمك في ظلمة الكسوف ليس للدم أبواب في ليلكم المنقلب “. لم يهنأ عندليب غرناطة بالإقامة في نيويورك فشخص ببصره إلى كوبا ليعانق من جديد لغته الاسبانية البهية ويعوض ما أمكن عن شمس بلاده الدافئة. فبعد غياب دام حوالي عامين يعود عصفور الشعر إلى وطنه ليؤسس فرقة مسرحية تدعى “باركا ” بتشجيع من أصدقائه ومحبيه، عملت هذه الفرقة على تقديم أجمل الأعمال الاسبانية والعالمية لحشود الجماهير البسيطة في مدن وقرى اسبانيا وبذلك جعل لوركا من المسرح وسيلة تثقيفية جماهيرية.
حريتي … يا مريانا:
اجمع النقاد على أن لوركا واحداً من أهم أدباء القرن العشرين لما تميزت به حياته وشعره ولمناقبيته العالية ولامتلاكه وهو لما يزل فتى صغيراً ناصية الشعر والفكر معاً مرصعين بجوهرة الحرية ،واعتبره آخرون على أنه فتح أفاقاً جديدة في عالم القصيدة عن طريق قدرته الفائقة في المزج بين خيال شفاف واسع الأصداء وبين واقعية تستمد مكنوناتها من قيم التراث الأندلسي العظيم بمكنوناتها وآثارها .لقد جعل لوركا من الحب صنواً للحرية لتأتلف بهما محاولة الحياة التي بدونها يفقد التواصل والاستمرار ،بما يهدد وجودهم الإنساني وهكذا نسمع لوركا يشدو على لسان أحد أبطال مسرحيته ” ماريانا بينيدا “:” ماريانا ،يا ماريانا ما الإنسان دون حرية، دون الضوء الذي يشع بتألق وانسجام ثابت ، خبريني كيف لي أن أحبك إذا لم أكن حراً ؟ إذا لم يكن هذا القلب القوي ملكي “
كانت الحرية بالنسبة للوركا هاجساً لأنها باعتقاده الوسيلة المثلى للوصول إلى عالم تسوده العدالة والمحبة، ولكن أعداء الحياة والجمال كان لهم رأي آخر، فكان القتل نصيب شاعر الشعب على أيدي كتائب اليمين الملكية الفاشية باعتباره يمثل رمزاً ومعلماً هاماً من معالم مقاومة سلطة العسكر الديكتاتورية ولأنه مشعلاً من مشاعل الحرية على الطريق نحو الحق والخير والجمال، ولكنهم بقتله جعلوا من قصائده منارة تضيء جبل الظلام لطالبي العدالة وعاشقي الحرية في اسبانيا التي ضمته وبكته كما بكاه أحرار العالم وأدباؤه.
وأخيراً يمكن القول إن شاعراً عظيماً كلوركا لا يمكن أن ينسى حتى ولو تجرأت الذاكرة على النسيان، فلوركا ببراءة الأطفال لم يعتقد برحيله وغيابه يوماً، فقد كان يعلم أنه باق بين ظهرانينا يمطرنا بالماس والذهب فيقول:
” أريد أن أنام برهة / لحظةً واحدةً، دقيقةً، دهراً/ ولكن ليعلم الجميع أن فوق شفتي وإن لم أمت منجماً للذهب /
وإنني الظل الكبير لدموعي “.
رحل لوركا جسداً لكن شعره بقي تراتيل روحية وجدانية متواشجة تتلى في محراب القلب فتدمع العين ويلتمع الأمل وينتحر الألم.
