
في مخيم درعا للاجئين الفلسطينيين، حيث تتقاطع الذاكرة الفلسطينية مع واقع سوري جديد، يجلس الشاب الفلسطيني خ. م في السادسة والعشرين من عمره على عتبة منزله البسيط، يحدّق في هاتفه كل صباح، مترقبًا رنينًا قد يغيّر مسار حياته.
الشاب الذي نجح في مسابقة التوظيف التي أعلنتها “الأونروا” قبل أكثر من عام، ما زال حتى اليوم ينتظر “الاتصال الحاسم” الذي يؤكد مباشرته العمل كمدرس في إحدى مدارس الوكالة، إلا أن ذاك الاتصال لم يصل بعد.
لم يعد هذا الانتظار حكاية فردية، بل أصبح حالة جماعية يعيشها عشرات الخريجين الناجحين من أبناء مخيم درعا والمناطق المحيطة مثل المزيريب وجلّين في جنوب سورية، حلم الوظيفة الذي سعوا إليه بجهد كبير، تحوّل إلى حالة من الترقب المرهق والغضب الصامت.
ومع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، وسقوط المبررات القديمة التي كانت تُستخدم لتفسير غياب الشفافية، تتجه الأنظار اليوم نحو “الأونروا” نفسها.
فالنظام البائد الذي كان يُتهم بالتدخل وفرض المحسوبيات لم يعد موجودًا، ووزارة التربية السورية الجديدة تتجه نحو إصلاحات قائمة على الشفافية. فهل تحذو الوكالة الأممية النهج ذاته؟
ناجحو درعا في انتظار الأمل:
في درعا، جنوب سوريا، حيث تتركز تجمعات فلسطينية تاريخية، خاض عشرات الشباب اختبارات تنافسية معقدة ضمن مسابقة “الأونروا”، تنقلوا خلالها إلى دمشق، واجتازوا مراحل كتابية وشفهية بنجاح، ليجدوا أسماءهم ضمن قوائم الناجحين.
لكن الفرحة لم تكتمل. فبينما تم استدعاء بعضهم مباشرة، بقيت الأغلبية في دائرة انتظار مفتوحة بلا موعد واضح.
يقول خ. م خريج كلية الآداب بغصة: “سافرت إلى دمشق مرات عدة: مرة للامتحان الكتابي، ومرة للمقابلة الشخصية، ومرة لمعرفة السبب وراء تأخر توظيفي، أتعبني السفر، لكني كنت سعيدًا لأني نجحت.
مردفاً أنه بعد الإعلان عن النتائج، تلقى اتصالاً من قبل مسؤول مكتب الأونروا في درعا، أكد له قبوله، لكنه منذ ذلك الحين لم يتلقَّ أي اتصال يحدد موعد مباشرته.
ويضيف بحسرة أن زملاء من نفس الدفعة والتخصص تم تعيينهم سريعًا، رغم أن بعضهم كان يشغل وظائف أخرى، بينما لا يزال هو—الأعلى معدلًا—خارج الحسابات.
الكفاءة وحدها لا تكفي؟
س. ع (28 عامًا)، خريج كلية التربية (اختصاص اجتماعيات)، من تجمع المزيريب، يختصر تجربته بجملة صادمة: “نجحت في الامتحان… لكني فشلت في امتحان الواسطة”.
مشيراً إلى أنه بعد أن تلقى خبر نجاحه في المسابقة، ظن وكأنه ولد من جديد، وأن الأيام الصعبة التي قضاها في الدراسة والسفر قد توجت أخيرًا بفرصة عمل تضمن له حياة كريمة، إلا أن صدمته كانت كبيرة عندما أكتشف أن زملاء له أقل كفاءة تم استدعاؤهم قبله. وعند سؤاله، جاءه الرد الصريح: المسألة لا تتعلق بالكفاءة، بل بالعلاقات أو المال.
يتابع ” لا أملك المال لدفع الرشاوى، ولا أملك واسطة، أنا فقط أملك شهادتي ونجاحي في الامتحان، فهل هذا لا يكفي؟”.
ويضيف: “كنت أسمع في السابق أن النظام كان يتدخل ويضغط لتمرير أسماء معينة، كانوا يقولون لنا: ‘اصبروا، الظروف صعبة’.
اليوم النظام لم يعد موجودًا. من المسؤول الآن عن تأخيرنا؟ ومن الذي يحدد من يعين ومن ينتظر؟”.
مفارقات التعيين… أولوية مقلوبة
إحدى القضايا التي أثارت استياء الناجحين في درعا هي ظاهرة تفضيل كبار السن من المتقدمين على حساب الشباب. فبحسب شهادات عدة، تم تعيين معلمات تجاوزن الثلاثين عامًا في مدارس الأونروا بدرعا، بينما بقي عشرات الشباب في العشرينيات من العمر ينتظرون دورهم.
يقول خ. م: “في إحدى مدارس الأونروا، تم قبول معلمة مثبتة في مدارس وزارة التربية السورية، ويزيد عمرها عن 35 عامًا، مؤكدا أنها دفعت مبلغ 3000 دولار، لكن أليس من المفترض أن يُعطى الدور للشباب الأصغر؟ نحن شباب في مقتبل العمر، لدينا طموح وأحلام، ونواجه ظروفًا اقتصادية صعبة جدًا، كيف يتم تجاهلنا بهذه الطريقة؟”.
الفئات الأكثر هشاشة… خارج الحسابات
أما الحالة الأكثر مأساوية، فهي حالة الخريجين الفلسطينيين الذين لا يحملون وثائق رسمية تخولهم العمل في القطاع العام السوري، مثل الفلسطينيين القادمين من الأردن وغزة، بالنسبة لهؤلاء، تمثل “الأونروا” الفرصة شبه الوحيدة للعمل.
م. أ (31 عامًا)، فلسطينية من غزة، تعيش في مخيم درعا دون أوراق ثبوتية تسمح لها بالعمل في القطاع الحكومي أو الخاص بسهولة، ومع ذلك لم تحصل على فرصة رغم نجاحها.
تقول: “تخرجت من كلية العلوم منذ سنوات، وشاركت في أكثر من مسابقة للأونروا، وفي آخر مسابقة نجحت، لكنني لم أستلم حتى الآن، ليس أمامي خيار آخر غير الأونروا.
لا أستطيع مغادرة سوريا، ولا أستطيع العمل في وظائف الحكومة، لماذا يتم تهميشي أنا وأمثالي رغم أننا الأكثر حاجة؟”.
شبهات محسوبية… وغياب للعدالة
من خلال التواصل مع عديد من الناجحين تم التأكيد أن عمليات التوظيف في مكاتب وكالة الأونروا ومدارسها تخضع لهيمنة عائلات بعينها.
ففي بعض المكاتب، يتكرر وجود أفراد من نفس العائلة أو الأقارب، ما يؤكد وجود شبكة محسوبية واضحة.
أحد الناشطين في المخيم (فضل عدم ذكر اسمه) يقول: “هذه الظاهرة ليست جديدة، منذ سنوات، وهناك عائلات معينة تتحكم بفرص العمل في الأونروا بدرعا، أي وظيفة صغيرة، حتى لو كانت حارس مدرسة أو سائق، تُعطى لأبناء هذه العائلات أو المقربين منهم، نحن لا نطالب إلا بالعدالة، وأن تكون الفرصة متاحة للجميع، وخاصة الأسر الفقيرة والأكثر احتياجًا”.
غموض القرار… من يحدد المصير؟
في الوقت الذي أصبحت فيه وزارة التربية في سوريا مطالَبة اليوم بتطبيق الشفافية وإصلاح القطاع التعليمي، يبقى ملف التوظيف في “الأونروا” غارقًا في الغموض، فمن المسؤول عن تحديد من يعين ومن ينتظر؟ هل هي إدارة الوكالة في دمشق؟ أم مكاتبها في درعا؟ أم جهات خارجية لم تعد موجودة؟
يؤكد الناجحون الذين تحدثوا لـ “مجموعة العمل” أنهم لم يتلقوا أي تفسير رسمي لتأخيرهم، رغم مراجعتهم المتكررة لمكاتب “الأونروا” في درعا.
الجواب الذي يتكرر دائمًا: “أنتم في قائمة الانتظار، وسيتم الاتصال بكم عند توفر شاغر”.
لكنهم يتساءلون: كيف يتوفر الشاغر لتلاميذنا الذين دفعوا الرشاوى واستلموا فورًا، ولا يتوفر لنا رغم أننا الناجحون أنفسنا؟
مرحلة جديدة… بلا أعذار
منظمات حقوقية كانت قد وثّقت سابقًا حالات فساد في التوظيف داخل “الأونروا”، تؤكد اليوم أن الوقت قد حان لمراجعة شاملة، تقوم على الشفافية والمساءلة.
لكن مع تغير المشهد السوري، تؤكد المجموعة في تصريحات جديدة للتحقيق أن الوقت قد حان لمراجعة جذرية لسياسات التوظيف.
وتعيد تلك المنظمات تأكيدها “اليوم، لم يعد هناك أي عذر يمكن أن تقدمه الأونروا، النظام الذي كان يضغط على الوكالة ويفرض شروطه الأمنية والحزبية قد سقط، وزارة التربية السورية بدأت تتحرك نحو الشفافية، الأونروا مطالَبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بفتح ملفاتها، والإعلان عن قوائم الانتظار بشفافية، وتوضيح أسباب استبعاد الناجحين، ووقف ممارسات المحسوبية والرشوة”.
مطالب بالشفافية والمحاسبة
في ضوء هذه المعطيات، تتصاعد مطالب الناجحين المنتظرين وأهالي المخيمات في درعا بضرورة إرساء معايير واضحة للعدالة والشفافية في ملف التوظيف، بدءًا من الإعلان الفوري عن قوائم الانتظار بشكل صريح، مع توضيح أسباب عدم استدعاء من تم قبولهم في المسابقة الرسمية، مرورًا بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بإشراف المفوض العام للأونروا لكشف شبكات الفساد والمحسوبية، لا سيما في محافظة درعا، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في طلب أو تسهيل الرشاوى، سواء من داخل الوكالة أو عبر وسطاء.
كما يؤكد الأهالي على أهمية إعادة ترتيب أولويات التعيين بما يضمن إنصاف الشباب الخريجين الأكثر حاجة، وخاصة الفلسطينيين الذين لا يملكون وثائق رسمية تخولهم العمل خارج إطار الوكالة، إلى جانب وضع حد لهيمنة بعض العائلات على فرص العمل داخل مكاتب الأونروا ومدارسها، والعمل على توسيع نطاق التوظيف ليشمل المناطق التي تضم تجمعات فلسطينية محرومة من الخدمات التعليمية الكافية، مثل البصالي وأم اللوقس ومناطق في القنيطرة، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام الخريجين الباحثين عن فرصة عادلة.
