موقع الإعلامي فايز أبو عيد

صرخة الموظفين الفلسطينيين المفصولين في سوريا

فايز أبو عيد

مع دخول سوريا مرحلة جديدة، تتجه الأنظار إلى ملفات شائكة خلفتها سنوات الحرب والنظام البائد، من بين هذه الملفات، تبرز قضية آلاف السوريين والفلسطينيين الذين غادروا البلاد تاركين خلفهم وظائفهم وسنوات خدمتهم في مؤسسات الدولة.

هؤلاء الذين تشتتوا بين أوروبا ودول الجوار، يجدون أنفسهم اليوم أمام تساؤلات مصيرية: هل يعودون؟ وماذا عن سنواتهم التي مضت؟ وما الذي ينتظرهم إن قرروا العودة؟ هذه التساؤلات لم تعد هواجس فردية، بل قضية تلامس حياة مئات الآلاف من الأسر.

فخ “حكم المستقيل”

بعد سنوات من اللجوء والهجرة القسرية التي فرضتها الحرب والنظام البائد، ومع بدء عودة الحياة إلى مؤسسات الدولة السورية، يجد آلاف الموظفين السوريين والفلسطينيين أنفسهم أمام معادلة قانونية وإنسانية بالغة التعقيد.

فهؤلاء الموظفون لم يتركوا وظائفهم طوعاً أو رغبة في تغيير مسار حياتهم، بل أرغمهم النظام البائد على توقيع “حكم المستقيل” كشرط وحيد للحصول على جواز سفر أو شطب أسمائهم من قوائم الممنوعين من السفر.

في الوقت الذي كان فيه الموظف يبحث عن الأمان لعائلته في بلاد اللجوء هرباً من الاعتقال أو القصف أو التجنيد الإجباري، كان النظام يجبره على توقيع استقالة قسرية تحرمه من كل حقوقه الوظيفية وتلغي سنوات خدمته من سجلات الدولة وكأنها لم تكن.

تقول لـ. م (55 عاماً) التي خدمت 25 عاماً في وزارة التربية قبل أن تسافر للم شمل مع زوجها إلى ألمانيا: “عندما انتهت إجازتي وأردت تجديد جواز سفري من ألمانيا، رفضوا التجديد بحجة أنني تركت الوظيفة.

لم يكن أمامي أي خيار إلا الدخول في مرسوم العفو الذي اشترط توقيع حكم المستقيل، وقّعت على التنازل عن 25 سنة من عمري وعن كل حقوقي في النقابة، فقط لأحصل على جواز سفر وأُشطب من قوائم الحدود، لم أستقل طوعاً، بل دفعت ثمن وثيقة سفري بعمر كامل من الخدمة، كان فخاً محكماً صنعه النظام البائد، وحرمت بسببه من كل شيء.”

وتضيف” اليوم بعد تحرر سوريا، استعدت صفتي القانونية كموظفة، وتم إعادة كل مستحقاتي، ولكن هذه المستحقات لا قيمة لها في ظل التضخم الذي تعيشه سوريا والغلاء المتزايد” .

تعويضات هزيلة لا تسمن ولا تغني من جوع.. 200 دولار ثمن ما يزيد عن25 سنة من العمر:

أما الصدمة الكبرى التي تلقاها الموظفون الفلسطينيون العائدون والمفصولون، فكانت لحظة وقوفهم أمام شباك النقابة لاسترداد تعويضاتهم.

بعد ربع قرن من الخدمة والاقتطاعات الشهرية التي كانت تخصم من رواتبهم بانتظام، وبعد كل هذه السنوات من الانتظار والترقب، تفاجأوا بأن قيمة تعويضهم لا تتجاوز مئتي دولار أو تزيد قليلاً.

200 دولار فقط، في مقابل 25 أو 30 سنة من العمر، في مقابل آلاف الأيام من البصمة صباحاً ومساءً، في مقابل كل تلك الاقتطاعات التي ذهبت من جيوبهم إلى خزائن النقابة. أيعقل هذا؟ أيعقل أن يدفع الموظف من راتبه شهرياً طوال 30 سنة، ثم حين يحين وقت استرداد حقه يجد أن كل ما جمعه لا يساوي أكثر من 200 دولار؟ إنها ليست خيبة أمل فحسب، بل إحساس عميق بأن العمر كله قد سُرق، وأن سنوات التعب ذهبت سدى.

شراء سنوات الخدمة الناقصة

في ظل استحالة عودة كثير من المغتربين السوريين والفلسطينيين إلى سوريا بشكل نهائي، لأسباب تتعلق باستقرار أبنائهم في مدارس أوروبا وارتباطهم بأعمال في بلاد المهجر، يبرز مطلب “شراء سنوات الخدمة الناقصة” كحل وسط منطقي ومنصف. فهناك شريحة واسعة من الموظفين الذين خدموا ما يقارب 20 عاماً أو أقل بقليل، ولا يستطيعون وفق القانون الحالي الحصول على راتب تقاعدي جزئي، لأن القانون لا يجيز ذلك إلا لمن أمضى 25 سنة خدمة كاملة. هؤلاء لا يريدون العودة إلى وظائفهم بعد كل هذه السنوات من الاغتراب، وفي الوقت نفسه يرفضون أن تذهب سنوات خدمتهم سدى. أليس من الأجدى منحهم فرصة شراء السنوات القليلة المتبقية للوصول إلى 25 سنة، والحصول على راتب جزئي يُحتسب بعدالة؟ هذا المطلب ليس تفضلاً، بل اعتراف ضمني من الدولة بأن ترك الموظف لوظيفته كان استثناءً قسرياً فرضه النظام البائد، وأن سنوات عمره التي قضاها في الخدمة لا ينبغي أن تُدفن في أدراج النسيان.

يطالب س.م 45 سنة وهو معلم سابق في مدارس درعا بهذا الحل قائلا: “لماذا لا يُسمح لي بشراء الخمس سنوات المتبقية؟ لا أطلب راتباً كاملاً، بل راتباً جزئياً يُحتسب بعد شراء المدة، هذا أقل ما يمكن تقديمه لنا بعد كل ما خسرناه.”

دوامة العقود المؤقتة

أما العائدون من دول الجوار مثل تركيا ولبنان والأردن، فيعيشون حالة فريدة من “التعليق الوظيفي”.

هؤلاء تركوا أعمالاً ومشاريع كانت تؤمن لهم حياة كريمة في بلاد اللجوء، وعادوا بناءً على وعود بالعودة إلى وظائفهم أو الحصول على التقاعد، ليجدوا أنفسهم بعد عام كامل بعقود ثلاثة أشهر ووضع وكالة غير واضح.

هذا الوضع الهش يمنعهم من السفر لزيارة عائلاتهم في الخارج، ويمنعهم من التخطيط لمستقبلهم، فلا هم يستطيعون استئجار منزل بعقد طويل الأجل ولا التقديم على قرض.

إنهم عالقون بين حياتين: حياة تركوها خلفهم ولم يعودوا قادرين على استعادتها، وحياة جديدة في سوريا لم تكتمل بعد.

ومن أبرز المشكلات التي فاجأت العائدين ما يتعلق باحتساب سنوات الخدمة السابقة، إلغاء سنوات الدراسة في المعاهد في وقت كانت تحتسب في الماضي، مما قلص سنوات خدمتهم المحتسبة بشكل كبير وأبعدهم عن حلم التقاعد الذي عادوا من أجله.

المترددون عن العودة

في مقابل العائدين الذين يخوضون غمار التجربة بكل ما فيها من صعوبات، هناك شريحة واسعة من المغتربين السوريين والفلسطينيين الذين ما زالوا يرفضون فكرة العودة بشكل قاطع، ويفضلون البقاء في بلاد المهجر رغم كل التحديات التي تواجههم هناك.

هؤلاء عندما يدرسون خيار العودة يجدون أنفسهم أمام معادلة خاسرة بكل المقاييس، فكثير منهم غادر سوريا في بدايات الحرب وكانت سنوات خدمتهم حينها قليلة، ربما 5 سنوات أو 10 سنوات أو 15 سنة على أقصى تقدير.

اليوم وبعد مرور أكثر من عقد كامل على مغادرتهم، أصبح هؤلاء في منتصف العمر أو تجاوزوه، ولم تعد لديهم القدرة النفسية أو الجسدية للعودة والبدء من جديد في وظائف حكومية مرهقة براتب لا يتجاوز 120 أو 150 دولاراً شهرياً.

هؤلاء المترددون ينظرون إلى تجارب من سبقهم بالعودة ويستمعون إلى شكواهم من الرواتب المتدنية ومن دوامة العقود المؤقتة وعدم التثبيت، فيزدادون تمسكاً بالبقاء في بلاد المهجر.

فهم يقارنون بين ما يمكن أن يحصلوا عليه في سوريا من راتب لا يكفي ربع احتياجات الأسرة، وبين ما يحصلون عليه اليوم في بلاد اللجوء من رواتب أو مساعدات اجتماعية تؤمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة، وحتى لو افترضنا أن الدولة اعترفت بسنوات خدمتهم السابقة وأرادت منحهم راتباً تقاعدياً جزئياً، فإن قيمة هذا الراتب المحتسبة على أساس رواتب زمن الحرب والتي قد لا تتجاوز 60 دولاراً شهرياً، لا يمكن اعتبارها ذات قيمة مرضية أو مشجعة على العودة.

إن هؤلاء المترددين يمثلون ثروة بشرية هائلة يمكن أن تكون رافداً مهماً لإعادة إعمار سوريا وتطوير مؤسساتها، فقد اكتسبوا خلال سنوات الاغتراب خبرات واسعة في مجالات متعددة، وتعلموا لغات جديدة، واطلعوا على أساليب عمل متطورة في القطاعين العام والخاص، وبنوا شبكات علاقات مهنية يمكن أن تفيد بلدهم لو عادوا.

لذلك لابد من سياسات واضحة لتشجيع هذه الشريحة على العودة، تبدأ برفع الرواتب في القطاع العام إلى مستوى يليق بالحياة الكريمة، وليس مجرد زيادات شكلية لا تغير من الواقع شيئاً، فكيف يمكن أن نقنع معلماً أو مهندساً أو طبيباً سورياً أو فلسطينياً أن يترك راتباً في أوروبا أو تركيا ويعود إلى وظيفة براتب 150 دولاراً؟ هذا غير منطقي ولا يمكن القبول به.

إن تشجيع هؤلاء على العودة يتطلب أيضاً احتساب سنوات الخدمة السابقة بشكل عادل، وعدم حرمانهم منها بحجة “حكم المستقيل” الذي فرضه النظام البائد، ومنحهم خيار شراء السنوات المتبقية للوصول إلى تقاعد جزئي مجزٍ.

كما يتطلب تثبيت العائدين في وظائفهم فور عودتهم، وعدم إغراقهم في دوامة العقود المؤقتة والوكالة التي تزيد من إحباطهم وتدفعهم للتفكير مجدداً في المغادرة.

فسوريا اليوم بحاجة إلى كل أبنائها، ولا سيما أولئك الذين اكتسبوا خبرات ثمينة في بلاد المهجر، وهذه الخبرات يمكن أن تكون جزءاً مهماً من عملية النهوض بالبلد وإعادة بنائه على أسس حديثة ومتطورة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *