موقع الإعلامي فايز أبو عيد

سوريا.. أطفال المختفين قسراً يكبرون على الفقد والانتظار

فايز أبو عيد

في كل عيد، تتزين البيوت بالأضواء وتعلو أصوات الفرح، إلا في منازل الفلسطينيين والسوريين الذين غُيّب آباؤهم قسراً في سجون نظام الأسد البائد، حيث يحضر الغياب أثقل من أي وقت مضى، ويتحول العيد إلى مساحةٍ مفتوحة على الحنين والانتظار.

آلاف الأطفال الفلسطينيين في سورية يكبرون بعيداً عن آبائهم المختفين قسراً، يحملون صورهم في الهواتف وعلى الجدران، بينما تتآكل طفولتهم بين سؤالٍ لا يجد جواباً، وأملٍ لا ينطفئ بعودة الغائبين.

بس خبر عنك يا بابا

فرح، ابنة أحد المعتقلين الفلسطينيين من أبناء مخيم اليرموك، لم ترَ والدها منذ اعتقاله في 23 نيسان/أبريل 2013. تقول بكلماتٍ تختصر سنوات الفقد الطويلة: “يا رب فرجك.. أرجو من يعرف خبراً عنه أن يطمئن قلبي.. الله يفرّح قلبي بس خبر عنك يا بابا.”

صرخة فرح ليست استثناءً، بل تشبه حكايات مئات الأطفال الذين كبروا على الغياب، دون أن يعرفوا مصير آباؤهم حتى اليوم.

ذاكرة الأطفال المثقلة بالانتظار

تشير “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية” إلى وجود أكثر سبعة الاف وخمسمئة معتقل فلسطيني كانوا في سجون النظام البائد، بينهم حوالي خمسة آلاف معتقلاً لا يزلون مختفين قسراً ومصيرهم مجهولاً حتى كتابة هذا التقرير، بينهم رجال ونساء تركوا خلفهم عائلاتٍ وأطفالاً يواجهون الحياة بقلوبٍ مثقلة بالقلق والخوف.

ومن بين هؤلاء عشرات الأطفال الذين يعيشون سنواتهم الأولى دون آبائهم، بينما تتحول المناسبات والأعياد إلى محطاتٍ يتجدد فيها الوجع.

 ليش بابا مو معنا؟

تعبر ابنة أحد المعتقلين الفلسطينيين عن وجعها في منشور عبر “فيسبوك”، تقول فيه: “كنت فاتحة الفيسبوك، لقيت صورة بابا، أول ما شفتها انبسطت كثير.. لكن لما دققت بالكلمات فوق الصورة لقيت كلمة: مفقود، مضيفة إلى الآن أتمنى لما أفتح صفحتي أشوف الصورة مكتوب عليها: طلع.. رجع.. أي شي.

ثم تتساءل بحرقة: “ليش؟ وين بابا؟ ليش مو معنا هلا؟”، أسئلة تختصر معاناة جيلٍ كامل يعيش على الاحتمالات، ويكبر في ظل غيابٍ لا تفسير له.

العيد يوم رجعته

أحد أبناء معتقل فلسطيني من مخيم درعا كتب أيضاً عبر صفحتها على الفيس بوك: عن أي عيد تتحدث، لم يعد العيد عيداً بالنسبة لي ولأسرتي منذ سنوات.. والدي الى اليوم لا نعلم عنه شيئاً، فكيف تريدني أن احتفل بقدوم العيد.

وفي مخيم خان الشيح، أحمد إلى اليوم ما يزال يضع صورة والده المعتقل بدل صورته الشخصية على الفيس بوك وكتب: “عيدنا يوم لقائه.. وفرحتنا يوم خروجه.”

أما ابنة المعتقل الفلسطيني “أبو أيهم” من أبناء مخيم العائدين في حماة، فتقول: لا أريد شيئاً سوى رؤية والدي.. أريده أن يكون معي في العيد كما كان دائماً.

جيلٌ يكبر على الفقد

أبناء الفلسطينيين والسوريين المختفين قسراً لا يعيشون غياباً عابراً، بل يكبرون على فقدٍ ممتد، صنعته سنوات الاعتقال والاختفاء والحرب.

جيلٌ يتعلم منذ طفولته معنى الانتظار، ويعتاد الدعاء أكثر من اللعب، ويحفظ ملامح آبائه من الصور القديمة.

ومع كل عيد، يبقى الأمل معلقاً بأن تنتهي سنوات الغياب، وأن يعود الآباء يوماً، ليكتمل ما تبقى من طفولةٍ سرقتها السجون.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *