موقع الإعلامي فايز أبو عيد

لاجئون مرتين: فلسطينيو سوريا عالقون في لبنان بين وطنٍ مدمَّر وبلدٍ يضيق

بيروت – وليد فريجة – قدس برس

يونيو 6, 2026 12:00 م

مع سقوط نظام بشار الأسد وبدء عودة مئات آلاف السوريين إلى بلادهم، يجد اللاجئ الفلسطيني القادم من سوريا نفسه في مأزقٍ مزدوج داخل لبنان: لا إقامة شرعية تُجدَّد بعد قرارات الأمن العام الأخيرة، ولا مخيم سوري صالح للعودة إليه بعد الدمار الذي طاله. ووفق تقديرات حديثة، يعيش في لبنان نحو 17 ألفا و700 لاجئ فلسطيني سوري، يُقدَّر أن قرابة 70 بالمئة منهم باتوا مقيمين غير نظاميين، في وضعٍ أكثر هشاشة من وضع فلسطينيي لبنان أنفسهم.

لجوءٌ فوق لجوء

قدِم هؤلاء إلى لبنان فرارًا من الحرب السورية التي حوّلت اللاجئ الفلسطيني هناك إلى لاجئ مرتين. فقبل عام 2011، كان عددهم في سوريا يتراوح بين 560 و600 ألف نسمة، موزعين على 12 مخيمًا وعدة تجمعات، يتمتعون بوضع قانوني مستقر يعاملهم معاملة المواطن السوري في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. لكن سنوات الحرب خلّفت نتائج قاسية: تراجع العدد إلى نحو 438 ألفًا، ونزح 40 بالمئة منهم داخليًا، وغادر 20 بالمئة خارج البلاد، فيما قُتل نحو 4300 لاجئ واعتُقل قرابة 3 آلاف.

ومن وصل منهم إلى لبنان دخل في دوامة قانونية مختلفة كليًا. فالدولة اللبنانية تعاملهم منذ لجوئهم بصفتهم “سائحين” لا “نازحين”، وهو تصنيف يُسقط عنها واجب الحماية، ولا يمنحهم حق العمل الشرعي، ويضعهم في خانة رمادية لا تشملها التزامات اللجوء المعتادة.

إقامةٌ تنتهي ولا تتجدّد

لم تصدر أي تسويات قانونية جديدة لأوضاع الفلسطينيين القادمين من سوريا منذ تموز/يوليو 2017، ما جعل الغالبية العظمى منهم تعيش بإقامات منتهية الصلاحية. وبعد سقوط النظام السوري، اتخذت السلطات اللبنانية قرارًا بوقف تجديد إقامات هذه الفئة، بعد أن كان التجديد يجري كل ستة أشهر.

وفي تصريح لـ “قدس برس” يضع منسّق “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا” فايز أبو عيد هذا الواقع في إطاره الأشمل، موضحًا أن الفئة تواجه “وضعًا قانونيًا بالغ الهشاشة بعد وقف تجديد الإقامات لفئات واسعة منهم، الأمر الذي أدى إلى تزايد أعداد الموجودين بإقامات منتهية الصلاحية أو دون أي وضع قانوني منظم”. ويشير إلى أن ذلك ترتّب عليه قيود إضافية على حرية التنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية وفرص العمل، فضلًا عن تنامي القلق وعدم اليقين لدى آلاف العائلات.

ويرى أبو عيد أن انتهاء مهلة المغادرة التي حددتها السلطات اللبنانية سابقًا يضاعف مخاوف الترحيل، وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة لدى من قد يواجهون مخاطر إنسانية حال إعادتهم إلى سوريا، “مثل دمار بيوتهم وعدم وجود مأوى مناسب أو مورد مادي يقتاتون منه”. ويشدّد على ضرورة إيجاد “معالجة قانونية وإنسانية عاجلة تضمن عدم تعريض أي شخص لخطر الإعادة القسرية، وتتيح في الوقت نفسه تسوية أوضاعهم بما يحفظ كرامتهم وحقوقهم الأساسية”.

وثيقةٌ بلا قيمة

تتركّز المعاناة اليومية لـ “فلسطينيي سوريا” في لبنان بملف الأوراق الثبوتية والتنقّل. فاللاجئ القادم من لجوءه لا يملك جواز سفر، بل وثيقة سفر يصفها الناشط الفلسطيني السوري المقيم في لبنان توفيق حجير بأنها أقلّ نفعًا من أبسط الأوراق، ويعدّ هذا الملف “أكبر معضلة يمكن أن تواجهها في الحياة”.

ويشير في حديث مع “قدس برس” إلى أن التمييز قائم حتى في وثائق الإقامة: فالسوري يحصل على إقامة سنوية أو لثلاث سنوات أو إقامة عمل أو دراسة، أما الفلسطيني القادم من سوريا فيُمنح ما يسمّى “تسوية وضع” مدتها ثلاثة أشهر فقط، يستغرق إنجازها وحده شهرًا كاملًا من المعاملات، لتعود بعدها دورة التجديد من جديد. وقد كاد هذا الوضع يحرمه من تأشيرة سفر منحته إياها إحدى السفارات، لأن “تسوية الوضع” لا تُعدّ إقامة فعلية، وفق حجير.

عودةٌ إلى الركام

لا تبدو العودة إلى سوريا حلًا واقعيًا في المدى المنظور. فمخيم اليرموك، الذي كان يضم أكثر من 160 ألف لاجئ ويُعدّ “عاصمة الشتات الفلسطيني”، لم يعد إليه سوى بضعة آلاف وسط دمار هائل. أما مخيم حندرات في حلب فقد دُمّر نحو 70 بالمئة من أبنيته، فيما طال الدمار شبه الكامل مخيمات أخرى. ويعيش اليوم نحو 90 بالمئة من فلسطينيي سوريا تحت خط الفقر.

ويشرح حجير معضلة العودة بمعادلة بسيطة: “تخيّل إنسانًا ينقل بيته من طابق إلى آخر في العمارة نفسها، كم يحتاج من جهد ووقت؟ فكيف من بلد إلى آخر، بعد أربعة عشر عامًا من الإقامة في لبنان؟”. ويضيف أن كلفة المعيشة لم تعد أرحم في سوريا، إذ كان يستأجر في صيدا بمبلغ 250 دولارًا، ليجد نفسه اليوم في ريف دمشق يدفع 350 دولارًا. أما التعليم، فيصفه بأنه “زمن متوقف عند 2011″؛ مناهج وطرق تدريس لم تتغيّر منذ خمسة عشر عامًا، ما يجعل عودة الأبناء إليه قفزة في الهواء، على حد تعبيره.

وتزيد الذاكرة الثقيلة المشهد قتامة، إذ يقول حجير إن معظم الناس في سوريا “إما شهيد، وإما معتقل ومفقود لا أثر له، وإما مهاجر”، متسائلًا: “ماذا تبقّى لنا هناك إذا كان الأهل جميعًا قد غادروا، والبيوت مدمّرة؟”.

ماذا عن دمشق الجديدة؟

في خضمّ هذا المشهد، يبرز سؤالٌ قلّما يُطرح: ما مسؤولية السلطة السورية الجديدة تجاه هؤلاء اللاجئين؟ فقد نصّت القوانين السورية تاريخيًا على إطارٍ يعامل الفلسطيني معاملة المواطن في الحقوق تحت توصيف “من في حكمه”. ومع تعطيل العمل بالدستور السابق خلال المرحلة الانتقالية، يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت الإدارة الجديدة ستحافظ على هذا الإطار الذي حمى وجودهم لعقود.

ومن واقع المخيمات، يلاحظ حجير أنه “حتى الآن لا يوجد أي تغيير فعلي بالنسبة لإقامة الفلسطيني السوري داخل سوريا”، لكنه لا يسجّل في المقابل أي مبادرات تجاه المخيمات المدمّرة. ويحوّل سؤال المسؤولية إلى الجهات الفلسطينية والدولية: “أين الأونروا من ملف الإعمار؟ وأين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والسفارة من آلاف اللاجئين؟”، مشيرًا إلى أن شروط “أونروا” لإعادة الإعمار تعجيزية، إذ تُشترط إقامة الأسرة في المنزل المدمَّر أصلًا كي تستحق مساعدة لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات.

حين تغيب المرجعية

يكشف هذا الواقع عن غياب مرجعية جامعة تتحمّل مسؤولية هذه الفئة (فلسطينيو سوريا في لبنان)، إذ تتوزع الأدوار على خمس جهات دون أن تتولّى أيٌّ منها الملف كاملًا. ويصف أبو عيد، جوهر الخلل بأنه “غياب إطار واضح ومتكامل لتوزيع المسؤوليات، ما أدى إلى وقوع هذه الفئة في منطقة رمادية بين التفويضات القانونية والاعتبارات السياسية”.

موضحا أن التفويضات القانونية والاعتبارات السياسية هي: “أونروا” الجهة المعنية بخدماتهم، لكنها تواجه تحديات مالية غير مسبوقة تحدّ من قدرتها على الاستجابة لاحتياجات متزايدة. ثم السلطة الفلسطينية التي لم تقم – وفق أبو عيد – “بالدور المطلوب منها للدفاع عن حقوق هذه الفئة ومتابعة أوضاعها بشكل فعّال ومستدام”.

وأكمل يقول إن: الدولة اللبنانية تتعامل مع الملف من منظور سيادي وأمني يرتبط بسياساتها العامة تجاه اللجوء. أم السلطات السورية الجديدة فهي مشغولة في معالجة قضايا مواطنيها والمقيمين السابقين على أراضيها، بمن فيهم اللاجئون الفلسطينيون، وهو ما يبقى موضع انتظار. وأشار أبوعيد كذلك إلى دور المجتمع الدولي، الذي “انصبّ اهتمامه على ملف عودة السوريين، فيما بقيت خصوصية اللاجئ الفلسطيني السوري على الهامش” بحسب ما يرى.

ويخلص أبو عيد إلى أن المطلوب “ليس تبادل المسؤوليات، بل تحرّك منسّق بين جميع الجهات”، يبدأ بإقرار تسوية قانونية تضمن الإقامة الآمنة، ووقف أي إجراءات قد تعرّضهم للترحيل، مع فتح قنوات حوار مع السلطات السورية لمعالجة ملف العودة الطوعية لمن يرغب.

من يحمي اللاجئ مرتين؟

ليست مأساة فلسطينيي سوريا في لبنان وليدة حربٍ واحدة، بل هي حصيلة تراكم نكباتٍ متتالية: تهجيرٌ أول من فلسطين عام 1948، وتهجيرٌ ثانٍ من سوريا بعد 2011، وتضييقٌ ثالث في بلد اللجوء اليوم. واللافت أن بعضهم بات يفكّر في العودة لا بدافع الأمل، بل اضطرارًا؛ فحجير نفسه يستعدّ للعودة إلى بيته المدمَّر في اليرموك، مدفوعًا أساسًا بأزمة الإقامة وما تعنيه لمستقبل تعليم أبنائه، لا برغبةٍ في العودة.

وحين يُغلق باب البقاء وباب العودة في وقتٍ واحد، يبقى السؤال معلّقًا بلا إجابة سهلة: أين يذهب من لا وطن أصليًا يعود إليه، ولا بلد لجوءٍ يتّسع له؟.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *