موقع الإعلامي فايز أبو عيد

من عكا إلى درعا.. رحلة عائلة فلسطينية نحو الاندماج والعطاء

فايز أبو عيد

في الريف الشرقي لمحافظة درعا، جنوبي سوريا، حيث تلتقي خضرة الزيتون والعنب بتاريخ عريق، تقع قرية الغارية الشرقية، تلك البلدة التي يسكنها قرابة 30 ألف نسمة، وتشتهر بكثرة أشجار الغار وبتاريخها الزراعي وموقعها قرب سد الغارية ووادي الذهب الرافد لنهر اليرموك.

بين عائلاتها المحترمة والمعروفة، تبرز قصة فريدة من نوعها، أبطالها العائلة الفلسطينية الوحيدة في القرية، التي كتبت تاريخاً من الاندماج الإيجابي والإصرار على البقاء والتعلم والعطاء، إنها عائلة “مَدَد” المُنحدرة من الشيخ دنون في مدينة عكا الفلسطينية.

الوصول والاستقبال

ومع مأساة نكبة عام 1948، شُتِّتت آلاف العائلات الفلسطينية، بينما توجه كثيرون إلى المخيمات، وقد اختار أجداد عائلة مَدَّد مساراً مختلفاً.

وفي هذا الصدد، يقول أبو حسين مَدَد بلهجته الفلسطينية العامية: “احنا، بل نزوح، أجدادنا ضلّهم جاين على الغارية الشرقية، ما راحوا على المخيمات”، معزياً السبب إلى وجود علاقات اجتماعية سابقة مع أهالي المنطقة، الذين لم يترددوا في فتح بيوتهم وقلوبهم لهم.

ويكمل المسن الفلسطيني حديثه إلى “مجموعة العمل“: “استقبلنا أهالي المنطقة في بيوتهم، موفرين لنا السكن”، مضيفاً أن العائلة تعتبر نفسها محظوظة مقارنة بأقاربها الذين عاشوا في المخيمات وعانوا ظروفاً صعبة.

الاندماج الاجتماعي

ولم تكن رحلة الاندماج مجرد استقرار مؤقت، بل تحولت إلى حالة من التمازج العميق، إذيؤكد أبو محمد مَدَد، وهو كبير العائلة والمتخرج في التجارة والاقتصاد، على أن العلاقة مع أهالي القرية تجاوزت مفهوم الضيافة بسرعة.

وتابع: “لم نشعر بأننا ضيوف، بل أصبحنا جزءاً من أهل القرية”، مضيفاً وقد تجسّد هذا الاندماج بشكل عملي من خلال المصاهرات والنسب التي نشأت بين العائلة وسكان القرية من العائلات الرئيسية مثل الرفاعي والزعبي، مما جعلهم جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للغارية الشرقية.

السكن والتملك

استقر أفراد العائلة في البداية في حارة الرفاعي، ومع مرور الوقت وبتحدٍّ قانوني معروف يحظر على الفلسطينيين تسجيل الأراضي بأسمائهم في سوريا، وجدت العائلة حلاً ذكياً.

يوضح أبو حسين: “استطعنا مع الأيام أن نقتني الأراضي، وكل هذه الأراضي مسجلة بأسماء النساء، باعتبار نسائنا سوريات”، وبفضل العمل الدؤوب، استطاعوا شراء أراضٍ وبناء بيوت خاصة بهم في حارة الزعبية في القسم الغربي من القرية، محققين حلم الاستقرار الدائم.

الحياة العملية والتعليم

تشتهر عائلة مَدَد بحرفيتها وعملها الجاد، وهو ما أكسبها احتراماً كبيراً في القرية، يقول أبو حسين، الذي يعمل نجار باطون (طوبار بناء): “احنا قسمين: قسم نجارين باطون، والقسم الثاني دهانة وتلبيس جبس”. لكن أكثر ما يلفت النظر هو حرص الجيل الأول على تعليم أبنائهم، وهو إرث فلسطيني متجدد.

· الطلاب الجامعيون: يوجد طالب يدرس طب الأسنان في جامعة حلب، وآخر يدرس الهندسة (ابراهيم مَدَد)، وثالثة تدرس التمريض.

· التعليم المدرسي: رغم أن أبناء العائلة يدرسون في مدارس القرية (مدرستي الزعبي والرفاعي)، إلا أن التحديات قائمة، وهنا يقول أبو حسين: “شهادات ربك الحميد، ماحدا معو إشي، لا شب ولا بنت”.

· التعليم العالي لدى الكبار: يذكر أن أبو محمد مَدَد نفسه وابن عمه قد درسا التجارة والاقتصاد، مما يعكس ثقافة الاهتمام بالعلم عبر الأجيال.

الخدمات والواقع المعيشي

ورغم الاندماج، تواجه العائلة والعامة في القرية بعض التحديات في الخدمات، يذكر أبو حسين: “هون مستوصف مافي، من غير شر إنا مرض واحد، بنلجأ للدكاترة (في الخارج)”، كما أن القرية تفتقر لبعض الخدمات الأساسية التي يعوضها تماسك الأهالي.

ويبلغ عدد أفراد عائلة مَدَد في الغارية الشرقية حوالي 300-350 نسمة، بين رجال ونساء وأطفال.

إلا أن العائلة ممتدة جغرافياً، فهناك أقارب لهم في مخيم درعا (من عائلة السرساوي) وفي مخيم حماة، كما هاجر عدد من أبناء العائلة إلى الخارج، منهم من توجه إلى ألمانيا، وآخرون إلى الإمارات والكويت، سعياً وراء فرص أفضل.

مفاتيح عكا التي لا تندثر

يحمل كبار العائلة ذاكرة حية لفلسطين، “الختيارية (الكبار) كانوا في الماضي يحتفظون بمفاتيح بيوتهم في عكا وثبوتات والأوراق”، كما يذكر أبو محمد، لكن تعاقب الأيام جعل بعض هذه الذاكرة المادية تندثر. ومع ذلك، تبقى الهوية الفلسطينية حية في القلب والعمل.

يقول أبو حسين بفخر: “الفلسطيني أينما ذهب، له حضوره ولمساته… رغم إنا نجارين، إلا إنه لنا الفضل إنا إحنا اللي بنينا الغارية الشرقية”، مؤكداً على أن سمعتهم طيبة أينما حلوّا، وأن الفلسطيني “مرفوع الراس”.

قصة نجاح إنساني

قصة عائلة مَدَد (دنون) في الغارية الشرقية هي أكثر من قصة لجوء واستقرار، إنها نموذج لـ “الاندماج الإيجابي”، حيث تحول التحدي إلى فرصة، والضيافة إلى انصهار اجتماعي، والعمل اليدوي إلى إعمار حقيقي، والحرمان من الحقوق إلى إصرار على التميز عبر التعليم.

هم بنّاؤو القرية بحرفيتهم، وهم بناة المستقبل بتعليم أبنائهم، في منازلهم في حارة الزعبي والرفاعي، يحملون جذور عكا في قلوبهم، ويبنون حاضراً كريماً ومحترماً في درعا، مثبتين أن الإنسان يصنع وطنه حيثما يحمل إرادة الحياة والكرامة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *