موقع الإعلامي فايز أبو عيد

التسرّب المدرسي يهدّد الأطفال الفلسطينيين في سورية

قضايا وناس

دمشق

عبد الله البشير

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 20:21 (توقيت القدس)

 

يواجه الأطفال الفلسطينيون اللاجئون في سورية التسرّب المدرسي بوصفه إحدى أزماتهم، علماً أنّه يمثّل كذلك أحد التحديات التي تواجه قطاع التعليم السوري عموماً. وقد حذّرت “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية” في تقرير بحثي أصدرته أخيراً من مخاطر هذا التسرّب الذي يسجّل تزايداً بين هؤلاء الأطفال.

وبيّنت “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية” أنّ نسب التسرّب المدرسي بين الأطفال الفلسطينيين اللاجئين في سورية راوحت ما بين 10% و18% في مخيم الحسينية الذي يُعَدّ ثاني أكبر مخيمات اللجوء الفلسطيني، ويقع في ريف دمشق الجنوبي الشرقي، فيما بلغت النسبة 5% في مخيم جرمانا عند أطراف دمشق، وأقلّ من 1% في مخيم النيرب بمحافظة حلب شمالي سورية. وربطت المجموعة هذه النسب بالفقر والظروف المعيشية القاهرة إلى جانب عوامل أخرى.

ويوضح مدير “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية” فايز أبو عيد لـ”العربي الجديد” أنّ التسرّب المدرسي في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في سورية يمثّل واحدة من القضايا التعليمية والاجتماعية الأكثر إلحاحاً، خصوصاً في ظلّ الظروف الاقتصادية والمعيشية القاهرة التي تواجهها العائلات الفلسطينية، وما يترتّب عليها من ضغوط تدفع أطفالاً (دون 18 عاماً) إلى ترك مقاعدهم الدراسية والتوجّه نحو سوق العمل لمساعدة أسرهم.

ويقول أبو عيد: “أرى أنّ ارتفاع نسب التسرّب المدرسي المستمرّ لا يعني خسارة تلميذ مقعده الدراسي فحسب، إنّما يهدّد مستقبل جيل كامل ويضعف فرصه في الحصول على التعليم والعمل اللائقَين، ويزيد من مخاطر الفقر والتهميش والاستغلال”. يضيف أنّ من هنا، تبرز أهمية الدور الذي ينبغي أن تضطلع به وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وكذلك المنظمات الدولية والمحلية، في دعم العملية التعليمية في داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية. ويأتي ذلك، بالنسبة إلى أبو عيد، ليس فقط من خلال توفير المدارس والخدمات التعليمية، بل عبر تقديم برامج دعم للتلاميذ والأسر الأكثر احتياجاً، وتأمين المستلزمات الدراسية للتلاميذ، وتعزيز الدعم النفسي، كما الاجتماعي، والعمل لمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تقف وراء ترك الأطفال المدرسة.

ويتابع أبو عيد، في حديثه إلى “العربي الجديد”: “نؤكد وجوب أن يبقى التعليم أولوية أساسية في الاستجابة الإنسانية للاجئين الفلسطينيين في سورية”، مشدّداً على أنّ “حماية حقّ الأطفال والشبّان في التعليم مسؤولية مشتركة تتطلّب تعاون أونروا والمنظمات الدولية والجهات المعنية والمجتمع المحلي من أجل وضع برامج واضحة للحدّ من التسرّب وإعادة التلاميذ الذين انقطعوا عن المدرسة إلى مقاعدها”.

ويرى أبو عيد أنّ “الاستثمار في تعليم أبناء المخيمات الفلسطينية هو استثمار في مستقبل المجتمع الفلسطيني، وكذلك حماية لحقّ جيل كامل في بناء مستقبله على الرغم من كلّ الظروف الصعبة”. وفي رسالة إلى التلاميذ الفلسطينيين في مخيمات سورية، يقول أبو عيد إنّ “الطريق ليس سهلاً”، والظروف التي يعيشها هؤلاء قد تجعل الاستمرار في الدراسة أمراً صعباً في بعض الأحيان، “لكنّنا نريد أن نقول لكم: لا تجعلوا الظروف الصعبة سبباً للتخلّي عن أحلامكم. العلم هو السلاح الذي لا يستطيع أحد انتزاعه منكم، وشهادتكم هي خطوة نحو مستقبل أفضل لكم ولعائلاتكم ومجتمعكم”.

أطفال سورية ومعاناة لم تنته رغم سقوط نظام الأسد، 16 أكتوبر 2025 (Getty)

طلاب وشباب

في الإطار نفسه، يقول المتخصّص الاجتماعي إبراهيم محمد، معدّ تقرير “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية” الأخير لـ”العربي الجديد” إنّ ظاهرة التسرّب المدرسي تُترجَم بأشكال متعدّدة، من بينها عدم الالتحاق بالمدرسة أساساً، وتركها قبل إتمام المرحلة الدراسية، وعدم الانتقال إلى المرحلة التالية، مفرّقاً ما بين التسرّب المدرسي الكلي وذلك الجزئي.

ويرى محمد أنّ أبرز أسباب المشكلة هي تلك الاجتماعية، في مقدّمتها التفكّك الأسري والنزوح المتكرّر الذي يؤدّي إلى تغيير مكان السكن والمدرسة والزواج المبكّر. تُضاف إلى ذلك أسباب نفسية وتعليمية، من بينها ضعف التحصيل الدراسي وترك المدرسة وسط الاكتظاظ ونقص الكوادر التعليمية، إلى جانب التنمّر والقلق والخوف من الدراسة والتقليد السلبي وتأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي. وبالنسبة إلى محمد، فإنّ هذه العوامل تؤدّي إلى فقدان التلميذ الحافز وإلى الشعور بعدم قدرته على النجاح في المدرسة، إلى جانب أسباب اقتصادية.

وفي سياق الحديث عن التسرّب المدرسي بين الأطفال الفلسطينيين في سورية، يشير المتخصّص الاجتماعي عن ارتفاع عمالة الأطفال، ودفعهم إلى أعمال خطرة لا تتناسب مع أعمارهم، مع تعرّضهم للاستغلال والتحرّش وتقليد سلوكيات ضارة، وزيادة الفراغ والانكشاف على الشارع. ويبيّن أنّ ذلك يجعل الأطفال أكثر عرضة للانحراف والجريمة وربّما التطرّف، لافتاً كذلك إلى آثار نفسية تشمل الشعور بالدونية والعجز وفقدان الثقة بالنفس، بالإضافة إلى ارتفاع معدّلات الجهل والأمية وتراجع الوعي المجتمعي.

ويؤكد محمد أنّ التسرّب المدرسي في المخيمات الفلسطينية في سورية ظاهرة متعدّدة الأسباب، تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع التفكّك الأسري والنزوح والعنف وضعف البيئة التعليمية. يضيف أنّ نتائجها لا تقتصر على فقدان الطفل حقّه في التعليم، بل تمتدّ إلى عمالة الأطفال والآثار النفسية والأمية والانحراف، وتُضعف قدرة المجتمع مستقبلاً على بناء رأس ماله البشري. ويشدّد على أنّ الحدّ منها يتطلب تدخلاً متزامناً من قبل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الحكومية، إلى جانب تحسين بيئة التعليم وحماية الأطفال.

واقترحت “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية”، في تقريرها الصادر في العاشر من أغسطس/ آب الجاري، سلسلة من الإجراءات على مستوى الأسرة للحدّ من التسرّب المدرسي في إطارها، من بينها تعزيز ثقة الأطفال بأنفسهم وإعطاء التعليم أولوية، إلى جانب إجراءات على مستوى المؤسسات الرسمية، تتضمّن نشر الوعي بأهمية التعليم عبر المساجد ووسائل الإعلام، وتشديد التشريعات المتعلقة بتشغيل الأطفال وتطبيقها. كذلك ثمّة إجراءات على مستوى المدارس، من بينها تفعيل دور المرشدين وبرامج التوعية والإرشاد.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *