
فايز أبو عيد
لم يكن عامر يونس موسى دخل الله قد أكمل عامه الأول حين غادرت عائلته قريتها عام 1948. كان طفلاً أصغر من أن يحفظ ملامح البيت، أو طريقاً في القرية، أو وجه جارٍ ظلّ ينتظر عودتهم. لكنه كبر وفي داخله حكاية وطن لم تعشها عيناه، وعاشتها ذاكرة والديه وأجداده.
وُلد عامر عام 1947 في قرية الجاعونة، قضاء صفد، وقضى عمره يحمل صورة القرية كما رسمتها له روايات العائلة. كان يسمع عن الأرض والبيت وأيام القرية، فتتراكم التفاصيل في ذاكرته جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت الجاعونة بالنسبة إليه أكثر من مكان غادرته عائلته؛ أصبحت وطناً يعرفه من الحكايات، ويشعر أنه لم يغب عنه يوماً.
كبر عامر في مخيم اليرموك، لكنه لم يتخلص من أثر النكبة. وحين اشتدت الحرب في سوريا عام 2012، وجد نفسه أمام نكبة أخرى؛ اضطر إلى مغادرة منزله في المخيم، ليختبر مرة ثانية معنى أن يترك الإنسان مكاناً اعتاد أن يسميه بيتاً.
بين نكبتين، ظل عامر متمسكاً بما لم تستطع سنوات التهجير اقتلاعه: الذاكرة والإيمان بالعودة.
ولم يكتفِ بأن يحمل الحكاية في قلبه، بل حرص على أن يورثها لأبنائه، كما ورثها هو عن آبائه. يوصيهم دائماً بألا يضيّعوا قضية فلسطين، وأن يحكوا لأبنائهم ما سمعوه من آبائهم وأجدادهم.
فبالنسبة إلى عامر، قد يبتعد الإنسان عن أرضه، وقد تتغير البيوت والمخيمات والمدن، لكن الوطن لا يبتعد ما دامت حكايته تُروى.
وهكذا، يمضي الحاج عامر حاملاً ذاكرة قرية لم تمنحه السنوات الأولى من عمره فرصة أن يحفظها بعينيه، لكنه حفظها بقلبه؛ ذاكرة انتقلت إليه بالكلمات، ثم انتقلت منه إلى أبنائه، في انتظار اليوم الذي لا تبقى فيه العودة مجرد حكاية.
