
فايز أبو عيد
إذا سألت أي مسؤول أو منظمة أممية عن أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في محافظة درعا، سيكون الجواب الآلي هو “مخيم درعا”.
لكن التجوال في الأحياء الغربية لمدينة درعا، وتحديداً في “حي الضاحية”، يروي حقيقة مختلفة تمامًا، حقيقة مفاجئة، تكاد تكون مجهولة لدى الجميع: التواجد الفلسطيني في حي الضاحية اليوم، من حيث العدد والتأثير، يفوق بكثير التواجد داخل المخيم الرسمي نفسه.
فخلال 14 عاماً مضت، وتحولات كبرى شهدتها المحافظة، لم يعد “مخيم درعا” هو المركز الرئيسي للاجئين، لقد تحولت الضاحية، ذلك الحزام العمراني الذي كان يهدف لفك الازدحام عن القرى المجاورة، إلى “عاصمة فلسطينية” جديدة في درعا، وإلى ما يمكن وصفه بـ”ضاحية درعا”.
ثلاث ضواحٍ في واحدة:
حي الضاحية ليس مجرد حي عابر، بل هو مدينة متكاملة تقع في الجهة الغربية من مدينة درعا، وتشكل البوابة الرئيسية نحو الريف الغربي، فهو عبارة عن ثلاث تجمعات عمرانية كبرى اندمجت معاً:
1. ضاحية اليرموك: وهي المنطقة الأشبه بالبناء القديم، وتشكل النواة الأولى للتوسع.
2. الضاحيه الثانية: وكانت تُعرف سابقاً باسم “ضاحية باسل الأسد”، وهي عبارة عن بناء منتظم يتكون من أبنية سكنية (أربعة طوابق) وفيلات واسعة
3. حي الصحافة: وهو الحي المجاور الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من نسيج الضاحية الكبير.
هذا التجمع الضخم، الذي يتوسع يومًا بعد يوم بأبنية جديدة، تحول إلى وطن بديل لمئات العائلات الفلسطينية التي غادرت المخيمات القديمة.
رحلة 14 عاماً
السبب الرئيسي لهذا التحول يعود إلى عام 2011 وما تلاه.
فمع بداية الأحداث وانطلاق شرارة الثورة السورية، خرج الكثيرون من أهالي مخيم درعا بحثاً عن الأمان بعيداً عن الاشتباكات والحصار.
كانت الضاحيه الوجهة الأقرب والأكثر أمناً، لكن مع مرور الوقت، وتحول النزوح المؤقت إلى إقامة دائمة، حدثت تغيرات ديموغرافية كبرى.
يقول خ. مفلح خرّيج جامعي: ” أتيت طفلا من طريق السد إلى الضاحية وعمري ٨ سنوات، اليوم تجاوزت العشرين من عمري، وقد تزوجت، وأنجبت، وبنيت حياتي هنا”.
عاد القليلون فقط إلى المخيم بعد انحسار الدمار، بينما بقي الأكثرية، بل وتكاثرت أجيال جديدة لم تعرف سوى الضاحية موطناً لها”.
ببساطة، إذا قمنا بإحصاء دقيق اليوم، سنجد أن الأرقام المسجلة في سجلات مخيم درعا لا تعكس الواقع على الأرض.
فاللاجئون موجودون في الضاحية، بينما تتعامل معهم المنظمات والمؤسسات وكأنهم لا يزالون في المخيم، مما يخلق أزمة في توزيع المساعدات والخدمات.

نسيج متماسك
عند التجول في شوارع الضاحية، لن تجد صعوبة في التعرف على الوجوه والعائلات الفلسطينية.
إنهم جزء أصيل من الحي، بل يشكلون نسيجه المميز، يكاد لا يخلو بناء من هذه الأبنية من عائلة أو عائلتين فلسطينيتين.
من أبرز العائلات وأكبرها عدداً هي عائلة عقاب، والتي يتجاوز تعداد أفرادها 70 نسمة، ولها بصمة واضحة في كل مجال:
· صيدلية علاء عقاب، واحدة من أقدم الصيدليات في المنطقة، رجل طيب بسيط، يعطيك الدواء ولا يسألك المال، حتى لو بقيت أشهرا دون أن تسدد ثمن الدواء.
· غازية عقاب (أم عمار)، المعروفة في الحي بالقابلة القانونية بساطتها وطيبتها.
· الموجه التربوي خليل عقاب، الذي كان صاحب ضبط وإيقاع في مدرسة الضاحيه الثانية قبل تقاعده، وأسف الكثيرون على تقاعده وعدوها خسارة للعملية التربوية.
· كما برز من العائلة الملازم أول عمار عقاب، المنشق عن جيش التحرير الفلسطيني رفضاً لأن يكون أداة ضد أبناء شعبه.
إلى جانبهم، هناك عشرات العائلات الأخرى التي تشكل الوجود الفلسطيني:
· عائلة أبو عاتوق (أبو زياد وأولاده)، وجميعهم خريجو جامعات في الصيدلة والهندسة.
· عائلة السواركة، وأصولهم تعود إلى قطاع غزة.
· عائلة تميم، التي نزحت من مخيم اليرموك واستقرت في الضاحية.
· عائلة مصطفى، التي تعود بأصولها إلى قرية عين غزال في حيفا، ويبرز منها فراس مصطفى، مدير الامتحانات في كلية الاقتصاد بجامعة درعا، والمعروف على مستوى المحافظة بكفاءته ونزاهته في تنظيم الامتحانات، وقد تم تكريمه مرات عديدة واختير ممثلاً عن المجتمع المحلي في مخيم درعا.
· عائلة أبو عطا (من عين غزال أيضاً)، ويبرز منها المدرس المتقاعد أبو قيس، المعتقل سابقاً في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ونجله أنس أبو عطا، الكاتب والشاعر والمعروف بتحليلاته السياسية.
· عائلات: حبيب، رستم، عبد العال، الزنغري، السيطري، المصري، عيسى، عوّاد، الأسمر، العيسى، عمّيص، السعيد، جنازرة، النعيمي، الميساوي، الصمادي، الأصفر، الخليلي، شريفة، قزق، تميم، عقل، شاهين، اطرير، الرجا، الغزاوي، النابلسي، السلطي، نصر، الرديف، سرحان، زريق، خلف، عثمان، وغيرها الكثير.
نخب مثقفة
ما يميز التجمع الفلسطيني في الضاحية هو الكثافة النوعية للكفاءات والنخب.
عدد المعلمين الفلسطينيين في مدارس الضاحية وحدها يتجاوز 40 معلماً ومعلمة، يعملون في مختلف الاختصاصات (اللغة العربية، الفرنسية، الرياضيات، وغيرها).
عندما تسير في الضاحية ستجد الأستاذ عارف جنازرة في طريقك، بسيط، متواضع، تراه يحمل كتابا ويسير وهو مدرس لغة إنجليزية، وذو ثقافة عالية.
ومن أبرز الوجوه الثقافية:
· الشاعر راسم المدهون، أحد الشعراء المعروفين في المحافظة.
· الشاعر غياث المدهون، نجل راسم، وهو شاعر معروف على مستوى سوريا والعالم، وقد تُرجمت أعماله إلى عدة لغات. (والجدير بالذكر أنه شقيق الكاتب الكبير ربعي المدهون الحائز على جوائز أدبية مرموقة منها البوكر).
أما في المجال الديني والخدماتي، فيبرز الشيخ أيمن شريفة، إمام جامع الرحمن (الجامع الوحيد في الضاحية)، وهو مدرس لغة إنجليزية، معروف بحبه للناس وتوزيعه المعونات طوال 14 عاماً.
إلى جانبه، الشيخ الخليلي، صاحب “محال البياضات” وأحد كبار التجار سابقا، الذي يحفّظ الأطفال القرآن الكريم في محله.
كما ستجد رجلين كبيرين في السن من عائلتي النعيمي والمصري يعملان في البناء، رغم كل هذه السنوات، فمازالت يحملان عزيمة الشباب، سوف تجدهما ولن تتوه عنهما ما إن تلمح ورشة بناء، هما من الرجال المحترمين.
ستلمح أبو قيس أبو عطا(65 عاما) مدرّس التاريخ القديم ، والمعتقل المحرر من سجون الاحتلال، سائرا إلى المسجد، ستلمح في وجهه نورا وبهاء يلفت ناظريك، وبجانبه صديقان أحدهما ضرير، لا يترك أي فرض أبدا،
ستتعرف على أطباء ومهندسين وصيادلة، منهم طبيب الأطفال حسام شاهين.
وجوه كثيرة وحكايات لا تنتهي في حي الضاحية، أبطالها فلسطينيون.
شهداء ومعتقلون
لم يكن الفلسطينيون في الضاحيه مجرد مقيمين عاديين، بل كانوا جزءاً من نسيج الثورة السورية وتضحياتها. من أبرز الشهداء:
· غسان راسم المدهون، كان من أوائل المشاركين في الحراك السلمي واستشهد في بدايات الثورة.
يقول والده الكاتب المعروف راسم المدهون:
قبل أيام عدت لمشاهدة فيديو “مظاهرة درعا “الأولى” التي انطلقت فيها أول صيحة حرية في سوريا الثورة : بين أولئك الثائرين رأيت أصغر أولادي الشهيد غسان : ذلك اليوم خالد في ذاكرتي أستعيده اليوم وأستعيد معه سنوات الثورة السورية التي عشتها كلها في درعا وشهدت خلالها اقتحامات قوات الأمن الأسدي وما خلفته من شهداء وجرحى ومعتقلين وأحدق بالذات في اليوم الأخير من حكم تلك العصابة المجرمة حيث كنت أجلس قرب النافذة ورأيت آخر دبابة متهالكة خرجت بسرعة من ثكنة كتيبة الهندسة قرب بيتي في “حي الضاحية” فيما كانت الأنباء تبشرني بتحرير حمص . أنا أتفاءل بحمص العدية والتي كان تحريرها بوابة تحرير الشام وهروب الطاغية.
لا أعرف المكان الذي استشهد فيه ابني غسان إلا بالتقريب وهو في قرى غرب درعا في المساحة الملاصقة لمنطقة “جلين” حيث أصيب ونزف وقال لي بعضهم أن شيخا صلى عليه وقام بدفنه بينما كانت المنطقة تتعرض لقصف صاروخي عنيف
غسان الفتى النجيب الذي لا يستكين ولا ينام على ضيم هو عندي وجه سوريا كما وجه فلسطين وهو في الحالتين حر اليوم كما هي سوريا وجميل كما هم الناس في بلاد الشام
قصص وحكايات كثيرة سوف تسمعها إن مررت بحي الضاحية عن شباب فلسطينين قضوا في مواجهة الطغيان منهم أيضا :
· محمود القرقطي 17 عاما، إذ اعتقل وتعرض للتعذيب حتى استشهد في سجون النظام البائد.
. بسام النعيمي: سوف تجد والده العجوز أبو بسام الذي ما يزال يجلس على قارعة الطريق متوكئا على عصاه منتظرا ذلك اليوم الذي يعود فيه ولده من سجون النظام، هو يرفض التصديق ان ابنه قد مات.
سيحكون لك قصة امرأة فلسطينية فقدت أربعة من أبنائها،
ستلقى أبا فراس مصطفى ممسكا بيد حفيده هاشم، لتلحظ حزنا عميقا في وجهه لاستشهاد ولده هاشم.
تحديات وعقبات
مع تحرير سوريا وعودة أصحاب البيوت الأصليين إلى منازلهم في الضاحية، دخل الفلسطينيون في أزمة جديدة. هم الآن مطالبون بإخلاء البيوت التي استأجروها لعشر سنوات، في ظل ارتفاع جنوني لأسعار الإيجارات لا تتناسب مع الرواتب المحدودة.
يقول أحد سكان الحي: “صاحب البيت عاد وطلب مني الخروج. أين أذهب؟ عائلتي كبرت، وعشرة أفراد لا يمكنهم العودة إلى غرفة واحدة في مخيم درعا المدمر”.
هذه المعاناة دفعت بالكثيرين إلى البحث عن حلول بدائية.
أيمن عبد العال، الذي كان يعمل لدى صديق له، اضطر لترك العمل وافتتاح محل صغير لبيع المواد الصحية في بناء غير مكتمل، وضع عليه أبواباً وشبابيك مستعملة.
كذلك فعل م. رستم، الذي انتقل من محله في إحدى الفلل إلى الساحة العامة، حيث نصب “دكاناً” مسبق الصنع ليواصل عمله.
وحتى السيدات، مثل أم محمد رقطي، العجوز التي افتتحت مطبخاً صغيراً أمام منزلها، تبيع فيه المأكولات الفلسطينية الشهية بأسعار زهيدة، في محاولة منها لإعالة عائلتها.

واقع استثنائي
يشكل قطاع التعليم أحد أبرز مظاهر الوجود الفلسطيني في الضاحية. يدرس أبناء المخيم في مدرسة طيطبا، التابعة لوكالة الغوث (الأونروا)، والتي تعمل بنظام الفترة المسائية في مبنى مدرسة “بنات الضاحية ” الحكومية.
تضم المدرسة مرحلتي التعليم الأساسي (ابتدائي وإعدادي)، وتخرجت فيها نخب كبيرة من الطلاب المتفوقين، كان العديد منهم من الأوائل على مستوى المحافظة.
كما أن الكادر التعليمي في المدرسة وغيره من مدارس المنطقة يزخر بالأسماء الفلسطينية، حيث يقدر عدد المعلمين الفلسطينيين في المنطقة بأكثر من 40 معلماً ومعلمة.
صحيًا، يعتمد السكان على مستوصف الضاحية المحلي، بالإضافة إلى المركز الصحي التابع للأونروا في حي الكاشف، خاصة بعد تخفيف القيود على الحركة
حي الضاحيه في درعا هو أكبر تجمع فلسطيني في المحافظة.
وهذه حقيقة يراها كل من يزور المنطقة، لكنها حقيقة لا تعترف بها أوراق المنظمات ولا سجلاتها الرسمية. الفلسطينيون هنا يشكلون ثقلاً بشرياً واقتصادياً وثقافياً لا يمكن تجاهله، وهم ينتظرون، بعد تحرير سوريا، أن يلتفت إليهم أحد، ليس فقط كأرقام في مخيم قديم، بل كأهالي أصليين في “ضاحية
