
فايز أبو عيد
في المخيمات والمدن السورية، كما في أماكن اللجوء والنزوح خارج البلاد، تعيش اللاجئات الفلسطينيات واحدة من أكثر التجارب الإنسانية تعقيداً في المنطقة، فهن يحملن ذاكرة لجوء ممتدة منذ عقود، فيما وجد كثير منهن أنفسهن أمام نزوح جديد فرضته الحرب السورية، وما رافقها من مأسي ومعاناة شديدة جراء دمار منازلهم وفقدان مصادر الدخل، وتفكك للأسرة، وتراجع في الخدمات الأساسية.
من نافل القول إن خلف كل قصة نزوح، تقف امرأة تحاول إعادة بناء حياتها من الصفر: أم أصبحت المعيلة الوحيدة لأطفالها، شابة انقطعت عن تعليمها، أرملة تواجه مسؤوليات الأسرة وحدها، أو لاجئة تعيش بين الفقر والخوف وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية والحماية القانونية.
ولا تعكس هذه المعاناة واقعاً فردياً معزولاً، بل تأتي ضمن أزمة إنسانية واسعة تطال ملايين النساء والفتيات في سوريا. ففي عام 2024، كان أكثر من 16.7 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة الإنسانية في البلاد، بينهم أكثر من 8 ملايين امرأة وفتاة، وفق صندوق الأمم المتحدة للسكان.
فقر ونزوح
وتقدر وكالة الأونروا عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين تخدمهم في سوريا بنحو 438 ألفاً، وتشير بياناتها إلى أن أكثر من 90% منهم يعيشون تحت خط الفقر، فيما كان 62% منهم يعانون انعدام الأمن الغذائي في مطلع عام 2024.
كما أن نحو 40% من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا كانوا في حالة نزوح داخلي.
وتنعكس هذه الظروف بصورة خاصة على النساء، اللواتي يتحملن في كثير من الأسر مسؤولية الرعاية وتدبير شؤون المنزل، بينما يواجهن في الوقت نفسه فرصاً محدودة للعمل وارتفاعاً مستمراً في تكاليف المعيشة.
وفي حالات النزوح، تصبح المسؤوليات أكثر تعقيداً. فالمسكن قد يكون مؤقتاً، والدخل غير ثابت، والخدمات بعيدة أو مكلفة، فيما تتولى المرأة غالباً رعاية الأطفال وكبار السن والمرضى، إلى جانب البحث عن مصدر دخل.
“تركت كل شيء خلفي”
تقول دارين، وهي لاجئة فلسطينية سورية نزحت إلى لبنان تقطن في مخيم عين الحلوة: «أطفالي هم سبب قوتي. تركت كل شيء في اليرموك لأجلهم. أحياناً أظن أن كل هذا كابوس وسأستيقظ في بيتي القديم… لا أملك سوى الأمل بأن يبقى أطفالي سالمين».
ولا تختصر شهادة فاطن تجربة امرأة واحدة فقط، بل تعكس مساراً عاشته نساء كثيرات: منزل تركنه، حياة انقطعت، وأطفال أصبحوا محور كل قرار.
أما سهام، التي كانت طالبة تدرس في كلية الهندسة بدمشق، فمصابها جلل بحسب قولها، مشيرة إلى أنها كانت في سوريا ليس لديها هم سوى متابعة تحصيلها العلمي، أما هنا فأصبحت المعيلة الوحيدة لعائلتها، تعمل في التدريس الخاص وكمطوعة لدعم اللاجئات، مضيفة بحسرة الحياة هنا قاسية جداً.
لقد تحولت أمل من طالبة جامعية إلى معيلة، في انتقال لم يكن خياراً شخصياً بقدر ما كان استجابة لظروف اللجوء والنزوح.
حين تصبح المرأة معيلة الأسرة
وتقول شهادات اللاجئات إن فقدان الزوج أو غيابه أو عدم قدرته على العمل يدفع كثيراً من النساء إلى تحمل مسؤولية الأسرة اقتصادياً، لكن دخول سوق العمل لا يعني بالضرورة الخروج من دائرة الفقر.
فالنساء غالباً ما يواجهن أعمالاً غير مستقرة أو منخفضة الأجر، في وقت تتزايد فيه تكاليف الغذاء والسكن والتعليم والرعاية الصحية. ومع محدودية الدخل،تصبح الأسرة مضطرة إلى ترتيب احتياجاتها وفق الأولويات الأكثر إلحاحاً، وغالباً ما تكون احتياجات المرأة نفسها في آخر القائمة.
وفي هذا السياق، تحذر المنظمات الإنسانية من أن الأزمات الاقتصادية والنزوح يضاعفان مخاطر الاستغلال والعنف القائم على النوع الاجتماعي، ويقللان قدرة النساء على الوصول إلى الخدمات والحماية.
ما لا تقوله الأرقام
لا يمكن قياس العنف ضد النساء في سوريا من خلال البلاغات الرسمية وحدها. فالخوف من الوصمة، والاعتماد الاقتصادي، وغياب الأمان، وعدم الثقة بآليات الحماية، كلها عوامل قد تمنع النساء من الإبلاغ.
ويشير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن النساء والفتيات في سوريا يواجهن مخاطر متزايدة من أشكال متعددة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف الجنسي، والزواج القسري أو المبكر، والعنف داخل الأسرة، والقيود على الحركة، والاستغلال. كما يواجه كثير منهن عوائق في الوصول إلى خدمات الحماية والدعم المتخصصة.
وبالنسبة إلى اللاجئات الفلسطينيات السوريات، تتقاطع هذه المخاطر مع عوامل أخرى، بينها الفقر، والنزوح المتكرر، وفقدان الوثائق، والاعتماد على المساعدات، وضعف شبكات الحماية.
مصير معلّق
في حياة اللاجئة، قد تتحول وثيقة مفقودة إلى عائق أمام العلاج أو التعليم أو الحصول على المساعدة.
وتزداد المشكلة تعقيداً بالنسبة إلى النساء اللواتي فقدن وثائقهن خلال النزوح، أو يعشن في أسر مفككة، أو يواجهن صعوبة في إثبات بعض الحقوق القانونية. وفي بيئة تعاني أصلاً من الفقر وعدم الاستقرار، يمكن أن يؤدي غياب الوثائق إلى مزيد من الاعتماد على الآخرين، ويحد من قدرة المرأة على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
احتياجات لا تتوقف
تواجه النساء والفتيات في سوريا صعوبات واسعة في الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية والرعاية الصحية والدعم النفسي، بينما تزداد الحاجة إلى هذه الخدمات في ظل النزوح والفقر وتراجع القدرة على تحمل تكاليف العلاج.
وفي عام 2024، قدم صندوق الأمم المتحدة للسكان خدمات وبرامج في مجالات الصحة الإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي ودعم الشباب لأكثر من 1.5 مليون شخص في سوريا، من خلال مرافق صحية وفرق متنقلة ومساحات آمنة. لكن حجم الاحتياجات لا يزال أكبر من قدرة الاستجابة الإنسانية.
ولا يقتصر الأمر على اللاجئات داخل سوريا، ففي موجات النزوح من لبنان إلى سوريا عام 2024، أظهرت بيانات الأونروا أن أكثر من 78% من الأشخاص الذين شملهم أحد استبيانات الرصد كانوا من النساء والأطفال، فيما أشارت الوكالة إلى أن كثيراً من الأسر الفلسطينية النازحة كانت تعتمد على الأقارب والأصدقاء في ظل ظروف سكنية مكتظة ومتدهورة.
نساء في قلب العاصفة
رغم قسوة الظروف، لا تختصر قصة اللاجئات الفلسطينيات السوريات في صورة الضحية، حيث تعمل بعض النساء في التعليم، وتشارك أخريات في المبادرات التطوعية، وتقدم بعضهن الدعم لنساء أخريات، فيما تحاول أخريات تحويل مهاراتهن إلى مصدر دخل، ولو كان محدوداً.
تقول أمل _ اسم مستعار بناء على طلبها _ “أحاول أن أعمل وأساعد غيري، لأنني أعرف معنى أن تشعر المرأة بأنها وحدها”.
وهذه المبادرات الصغيرة لا تحل أزمة الفقر أو النزوح، لكنها تكشف جانباً آخر من القصة: قدرة النساء على تحويل التجربة القاسية إلى مساحة للتضامن، وعلى بناء شبكات دعم في ظل ضعف الاستجابة الرسمية والإنسانية.
من المساعدة الطارئة إلى التمكين
ويرى عاملون في المجال الإنساني أن الاستجابة لاحتياجات اللاجئات الفلسطينيات السوريات لا يمكن أن تقتصر على المساعدات الطارئة.
فالحاجة تتطلب برامج أكثر استدامة تشمل فرص العمل، والتدريب المهني، والحماية القانونية، والدعم النفسي، وخدمات الصحة الإنجابية، والتعليم، وآليات فعالة للوقاية من العنف والاستجابة له.
وتأتي هذه الاحتياجات في وقت يعيش فيه اللاجئون الفلسطينيون في سوريا ظروفاً اقتصادية شديدة الصعوبة؛ إذ تؤكد الأونروا أن أكثر من 90% منهم يعيشون تحت خط الفقر، وأن انعدام الأمن الغذائي لا يزال مرتفعاً.
“لا نريد الشفقة”
لا تبحث اللاجئات الفلسطينيات السوريات عن تعاطف عابر، بقدر ما يطالبن بظروف تسمح لهن باستعادة قدر من السيطرة على حياتهن، وفي هذا الصدد تقول فاتن: “لا أريد أن ينظر الناس إلينا كضحايا فقط. أريد أن أعيش بأمان، وأن أؤمن مستقبل أطفالي”.
بين ذاكرة اللجوء الفلسطيني، وتجربة الحرب والنزوح، تقف هؤلاء النساء أمام اختبار يومي للبقاء. فهن لا يحملن عبء الأسرة وحده، بل يحملن أيضاً آثار الفقدان والخوف وعدم اليقين.
وخلف كل رقم امرأة تنتظر فرصة للعمل، أو أماً تؤجل علاجها، أو فتاة تخشى أن يتحول الفقر إلى نهاية لتعليمها، أو أسرة تبحث عن مأوى أكثر أمناً.
ولهذا، فإن الحديث عن اللاجئات الفلسطينيات السوريات لا ينبغي أن يبقى في إطار المساعدات الإنسانية وحدها. فالقضية تتعلق بحقوق أساسية: الأمان، والكرامة، والعمل، والتعليم، والرعاية الصحية، والحماية من العنف.
