موقع الإعلامي فايز أبو عيد

فلسطين في المنهاج السوري.. هل تعود إلى الكتب؟

فايز أبو عيد

لفت انتباهي خبر إدراج صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة في كتاب البكالوريا المصرية، بعد خمسة وعشرين عامًا على المشهد الذي هزّ العالم، وأصبح من أكثر مشاهد الانتفاضة الفلسطينية الثانية رسوخًا في الذاكرة العربية.

تلك الصورة التي ظلت حاضرة في ذاكرة جيل كامل، أصبحت اليوم جزءًا من درس تاريخي يتعلمه جيل جديد من الطلاب المصريين، فتح باب النقاش حول حضور القضية الفلسطينية في المناهج التعليمية العربية، ودفع فلسطينيين في سوريا إلى طرح سؤال مماثل: ما مكان فلسطين في المنهاج السوري الجديد الذي يجري العمل على إعدادُه؟

وهنا لا نريد لفلسطين أن تعود إلى المنهاج بوصفها شعارًا سياسيًا، ولا أن تُستعاد بالطريقة التي وظّفها بها النظام السابق، بل نريد أن تعود إلى مكانها الطبيعي: قضية شعب، وذاكرة وطن، وتجربة إنسانية، وجزءًا من التاريخ السوري الحديث.

قضية شعب لا شعار

حضرت فلسطين طويلًا في الخطاب السوري الرسمي، إلا أن نظام الأسد، الأب ثم الابن، حوّل القضية في كثير من الأحيان إلى أداة سياسية، وجعلها جزءًا من خطاب «المقاومة والممانعة»، بما يخدم صورة النظام وتحالفاته.

وقد أتقن النظام السابق توظيف القضية الفلسطينية سياسيًا، لكنه لم يكن صاحبها، ولم يكن من حقه اختزالها في خطابه أو احتكار الحديث باسمها، كما وثّقت دراسات عدة تراجع حضور القضية الفلسطينية في المناهج المدرسية خلال العقود الماضية بصورة ممنهجة، ولا سيما منذ تسعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى ذروة هذا التراجع في مناهج العام الدراسي 2017-2018، التي غاب فيها الموضوع الفلسطيني تمامًا عن مقررات مرحلة التعليم الأساسي، بعدما كانت القضية حاضرة في مختلف المواد الدراسية.

ومن هنا، فإن إعادة فلسطين إلى المنهاج السوري الجديد لا ينبغي أن تعني العودة إلى منهاج السلطة السابقة، بل استعادة القضية بعيدًا عن التوظيف السياسي.

ففلسطين أكبر من أي نظام، وأكبر من أي حزب أو محور سياسي، وما نريده للطالب السوري هو أن يتعلم تاريخ فلسطين كما هو، لا كما تريده سلطة سياسية؛ أن يعرف النكبة واللجوء والاحتلال والقدس وحق العودة والانتفاضات، وأن يتعرف إلى الفلسطيني بوصفه إنسانًا وصاحب قضية، لا أداةً في صراع سياسي.جزء من التاريخ السوري

ولا تقتصر المسألة على كيفية تقديم فلسطين في كتب التاريخ، إذ يرى فلسطينيون أن تجربة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا نفسها تستحق مكانًا في المناهج الجديدة.

فعلى مدى عقود، نشأت أجيال فلسطينية في دمشق وحلب ودرعا وحمص واللاذقية وغيرها، ودرس الفلسطينيون في المدارس السورية، وعملوا في قطاعات مختلفة، وأسهموا في الحياة الثقافية، والأكاديمية، والاقتصادية، والفنية.

ويبرز هنا مخيم اليرموك باعتباره نموذجًا لهذه التجربة، إذ تحول على مدى عقود إلى مركز ثقافي وفكري وفني احتضن أجيالًا من المثقفين، والأكاديميين، والفنانين الفلسطينيين، والسوريين.

كما دفع الفلسطينيون في سوريا ثمنًا كبيرًا خلال سنوات الحرب، إذ تعرضت مخيمات فلسطينية للدمار والنزوح، وكان مخيم اليرموك في مقدمة المناطق التي شهدت معارك وعمليات عسكرية واسعة.

وتشير تقديرات مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا إلى قضاء آلاف الفلسطينيين خلال سنوات الثورة في سوريا، فضلًا عن حالات الاعتقال والاختفاء القسري والنزوح.

حضورٌ في الذاكرة السورية

لم يكن الفلسطيني في سورية مجرد لاجئ يعيش على هامش المجتمع، بل نشأت على مدى عقود أجيال فلسطينية في دمشق وحلب ودرعا وحمص واللاذقية وغيرها، وتلقى الفلسطيني تعليمه في المدارس السورية، وعمل في مؤسسات الدولة، وأسهم في الاقتصاد والثقافة والفن والتعليم.

لذلك، يستطيع المنهاج الجديد أن ينتقل من سؤال: «كيف استقبلت سورية الفلسطينيين؟» إلى سؤال أكثر إنصافًا: «كيف عاش الفلسطينيون في سورية، وماذا قدموا للمجتمع السوري؟»

وهنا ينبغي أن تظهر المخيمات الفلسطينية بوصفها جزءًا من التاريخ الاجتماعي السوري، وأن يظهر اليرموك باعتباره مساحة فلسطينية وسورية مشتركة، وأن يُذكر الفلسطينيون الذين شاركوا في الحياة العامة والثقافية، وكذلك الذين وقفوا إلى جانب السوريين في ثورتهم من أجل الحرية والكرامة.

وقد قُدّر عدد الشهداء الفلسطينيين الذين قضوا على يد النظام السوري منذ عام 2011 بنحو عشرة آلاف شهيد، إضافة إلى آلاف المغيبين قسريًا، فضلًا عن تدمير عدد من المخيمات كليًا أو جزئيًا، وفي مقدمتها مخيم اليرموك الذي كان منارة ثقافية وفكرية بامتياز.

إرث من الإبداع

لم تقتصر مساهمة الفلسطينيين في سورية على الجانب السياسي أو الإنساني، بل امتدت إلى مختلف مناحي الحياة، مقدمة نموذجًا فريدًا للتكامل والإبداع المشترك.

في الفكر والفلسفة، كانت المخيمات الفلسطينية، ولا سيما اليرموك، حاضنة لعقول استثنائية أسهمت في إثراء المشهد الأكاديمي السوري. فمن أحمد برقاوي، الفيلسوف الذي ترعرع في مخيم اليرموك وحمل هموم التنوير إلى جامعة دمشق، إلى فيصل دراج، الناقد الكبير الذي قدم مشروعًا مميزًا في تأويل التاريخ والرواية، مرورًا بحسن الباش، الباحث في مقارنة الأديان، ويوسف سلامة أستاذ الفلسفة الغربية، وماهر الشريف مؤرخ فلسطين الاجتماعي، وزياد منى الباحث في التاريخ التوراتي.

ولم تكن هذه الشخصيات ضيوفًا عابرين، بل أساتذة وباحثين أسهموا في تشكيل وعي أجيال من النخب السورية على مدى عقود.

وفي الأدب والرواية، قدم حسن حميد ومحمود موعد نماذج روائية وقصصية عكست عمق التجربة الفلسطينية، بينما كان أحمد قبلاوي من رواد كتابة السيناريو التلفزيوني.

أما الشعراء، فكانوا صوتًا نابضًا للثورة، فكتب أحمد دحبور خلود فرقة العاشقين، وأغنى خالد أبو خالد وفواز عيد ومحمود مفلح الساحة الشعرية بقصائد الالتزام والعودة.

وفي الفن والمسرح، كان للفلسطينيين دور تأسيسي وريادي؛ فكان يوسف حنا وبسام لطفي من أوائل من أسسوا المسرح الوطني الفلسطيني والمسرح القومي السوري، فيما تولى حسن عويتي تدريس الإخراج في المعهد العالي للفنون المسرحية، وكان عبد الرحمن أبو القاسم أحد أعمدة الدراما السورية، وزيناتي قدسية صاحب حضور بارز في فن المونودراما.

وعلى الشاشة، حمل فنانون فلسطينيون كثر هموم فلسطين في وجدانهم، وقدموها للجمهور السوري من خلال الفن، ليصبحوا جزءًا من الذاكرة الدرامية السورية.

وفي الاقتصاد، لم تقل مساهمة الفلسطينيين أهمية؛ فمن عوض عمورة، الذي امتلك أكبر معمل ألمنيوم في سورية، إلى عثمان العائدي صاحب فندق الشام ومنتجع الشاطئ الأزرق، وجورج سرياني وكيل آلات التصوير، والدكتور أحمد الحسن وزير النفط ورئيس جامعة حلب، إلى جانب عشرات الأسماء في التجارة والصناعة والمهن الحرة، كان الفلسطينيون شركاء في بناء الاقتصاد السوري؛ أيادٍ فلسطينية عملت وبنت وأسهمت.

إن هذه الإسهامات الممتدة لعقود، وفي مختلف المجالات، ليست مجرد سيرة عابرة، بل إرث مشترك ينبغي أن ينعكس في المنهاج السوري الجديد.

فالطالب السوري حين يقرأ عن هذه التجارب، فإنه يقرأ عن جزء من تاريخه هو أيضًا، وعن نموذج للتعايش والإبداع المشترك يليق بسورية الجديدة التي تستوعب كل من آمن بقضاياها وأسهم في نهضتها.

إنها فلسطين في وجدان سورية، وسورية في ذاكرة فلسطين؛ حكاية شعبين ارتبطا بالدم والإبداع والألم المشترك.

فلسطين في الذاكرة السورية

لم تكن فلسطين حاضرة في سورية من خلال الكتب المدرسية وحدها، بل حضرت أيضًا في الأغنية والقصيدة والرواية والمسرح والدراما.

فقد نشأ جيل كامل يحفظ «فلسطين داري ودرب انتصاري»، وقرأ غسان كنفاني، وحفظ قصائد محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وفدوى طوقان، واستمع إلى الأغاني الفلسطينية والعربية التي جعلت فلسطين جزءًا من الحياة اليومية.

ثم جاءت أعمال فنية كبرى، وفي مقدمتها «التغريبة الفلسطينية»، التي كتبها الكاتب الفلسطيني وليد سيف وأخرجها السوري الراحل حاتم علي، لتقدم النكبة الفلسطينية إلى ملايين المشاهدين بوصفها تجربة إنسانية لا تخص الفلسطيني وحده.

كما كان للمسرح السوري حضور بارز في تناول القضية الفلسطينية، بدءًا من مسرحية «أم كامل في الجبهة» عام 1947، مرورًا بـ«حفلة سمر من أجل خمسة حزيران» لسعد الله ونوس، و«ضيعة تشرين» للماغوط ودريد لحام، وصولًا إلى العروض المسرحية التوثيقية التي تناولت طوفان الأقصى عام 2023، مثل «أنا ليلى أهدي سلامي»، و«رجال في الشمس»، و«طوفان الأقصى»، و«أنا من هناك»، والتي جسدت بطولات المقاومة ولاقَت تفاعلًا حارًا من الجمهور السوري.

وهنا تكمن قيمة الثقافة المشتركة؛ فهي قادرة على حفظ ما قد تعجز السياسة عن حفظه.

لذلك، لا ينبغي أن يقتصر حضور فلسطين في المنهاج على كتب التاريخ، بل يمكن للأدب والفنون والدراما أن تشكل جسورًا لتعريف الأجيال الجديدة بفلسطين، وبإسهام الفلسطينيين في الحياة الثقافية السورية.

المنهاج الجديد.. ذاكرة مشتركة

نحن لا نوجه هذا النداء إلى الدولة السورية الجديدة من موقع الخصومة، بل من موقع الأخوة والعشم.

إن إعادة بناء المناهج تمثل فرصة لبناء ذاكرة سورية فلسطينية جديدة، لا تحذف الماضي، ولا تسمح في الوقت نفسه بتحويل المدرسة إلى أداة للدعاية السياسية.

نريد منهاجًا يقول للطالب السوري إن الفلسطيني الذي جلس إلى جانبه على مقعد المدرسة، أو كان جاره أو صديقه أو أستاذه أو زميله، ليس غريبًا عن قصته.

ونريد للطالب الفلسطيني في سورية أن يجد في كتابه ما يقول له إن هذه البلاد التي عاش فيها آباؤه وأجداده لم تكن مجرد محطة للجوء، بل أصبحت جزءًا من حياته وتاريخه وذاكرته.

كما نريد أن تُحفظ في هذه الذاكرة تضحيات الفلسطينيين الذين شاركوا السوريين محنتهم وثورتهم، وأن يُنظر إلى مخيم اليرموك وغيره من المخيمات بوصفها صفحات من التاريخ السوري والفلسطيني المشترك.

ومن هنا، لا نريد «فلسطين النظام السابق» أن تعود إلى المدارس، بل نريد فلسطين الشعب أن تعود.

فلسطين التي عرفها السوريون في كتبهم وأناشيدهم وبيوتهم وثقافتهم.

فلسطين التي عاشها الفلسطينيون في مخيماتهم ومدنهم السورية.

فلسطين التي لم تكن يومًا ملكًا لنظام، ولن تكون ورقة في يد سلطة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *