
فايز أبو عيد
في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في محافطة درعا، لم يعد الانتظار الطويل لوظائف الأونروا مجرد شكوى عابرة، بل تحوّل إلى قضية رأي عام تمس الحق والهوية والمستقبل.
فبينما ينتظر الشباب منذ سنوات ما وعدوا به من تعيين، تُروى في المجالس قصص تكاد تكون “من مفارقات الزمن المضحكة المبكية”: موظف واحد يمتلك ثلاث وظائف في وقت واحد، بينما خريج جامعي فلسطيني يجلس في بيته ينتظر مكالمة قد لا تأتي أبداً.
3 وظائف.. وشباب بلا عمل
الشباب هنا لا يتحدثون من فراغ، ولا يرددون مجرد همس المجالس، هم يملكون أسماءً بعينها، ويعرفون أشخاصاً بأعينهم، ويستطيعون تحديد من يعمل في وظيفتين ومن يجمع بين ثلاث، لكنهم — ونحن معهم — نتحفظ عن ذكر الأسماء، لأن هدفنا ليس تصفية حسابات فردية ولا دراسة حالة شخص واحد، هدفنا أوسع من ذلك: هو نبض الشارع، وصوت الشباب، وإعادة النظر في آلية تعيين تمس مصير فئة كاملة.
ففي مخيم درعا، يروي أكثر من شاهد أن أحد موظفي وكالة الأونروا يعمل في الوقت نفسه في مدارس الدولة السورية كموظف مثبت، إضافة إلى وظيفة حكومية أخرى— أي ثلاث وظائف في وقت واحد.
وهنا يطرح الشباب سؤالاً بديهياً: أين “ورقة غير موظف” التي طُلبت من الجميع كشرط للقبول؟ في الحقيقة يلجأ كثير من هؤلاء إلى التزوير.
ولدى تقصينا حول ذلك، أكد لنا كثيرون أن الأمر بسيط وسهل الوصول، ولا يحتاج إلى أكثر من معرفة شخصية أو مبلغ بسيط، فورقة “غير موظف” التي يُفترض أن تكون وثيقة رسمية تُثبت أن صاحبها لا يعمل في أي جهة حكومية، تُصدر اليوم بسهولة تامة من مدينة طفس في درعا، فهذه الأوراق ليست مسألة جديدة، بل تمتد جذورها إلى سنوات ماضية، حين كانت بعض مناطق درعا خارج سيطرة النظام وتحت سيطرة فصائل المعارضة.
في تلك الفترة، نشأت شبكات محلية تُصدر أوراقاً ثبوتية لأشخاص لم يستطيعوا الذهاب إلى مناطق النظام.
السؤال: كيف تُقبل هذه الأوراق اليوم كوثائق رسمية في ملفات التوظيف دون تدقيق؟ وكيف لا يتم التواصل مع وزارة التربية السورية للتأكد، خصوصاً أن هؤلاء المتقدمين يعملون فعلياً في وظائف حكومية معلنة؟
سنوات انتظار.. وأيام للبداية
المفارقة الأكبر بحسب ما يتناقله الشباب، ليست في عدم اجتيازهم للاختبارات، بل في أنهم نجحوا وأجابوا وتميّزوا، ويمكن مراجعة الفيديوهات المصوّرة لهم، ثم فوجئوا بأن النتيجة تأتي لصالح آخرين، ولسان حال الكثيرين يقول:
“نحن لم نفشل، أجبنا على كل الأسئلة، لكن عندما تأتي النتيجة، نجد أن من قضى 10 أو 15عاماً في وظائف الحكومة السورية بدأ العمل خلال أيام، بينما نحن ما زلنا ننتظر.”
التوظيف يُدار من مركز إقليمي في عمّان، لكن عندما يحين اللقاء الفعلي مع الشباب في سوريا، يكونون في أفضل حالاتهم: متألقين، مستعدين، ويظن أحدهم بعد خروجه أنه قاب قوسين أو أدنى من التعيين، ثم تأتي الصدمة:
يقول (م.ح 27 عاما ممن تقدموا ونجحوا، ولكنه ينتظر التعيين من سنوات): “فوجئت بأن آخرين قُدّموا عليّ، لا أعرف لماذا؟ أنا أجبت وتميّزت وانتظرت، لكن النتيجة كانت لصالح آخرين، منهم من كان موظفاً في مدارس الحكومة السورية، هم بدأوا خلال أيام، وأنا ما زلت أنتظر.”
وهنا سؤال محرج: ما هذه السرعة مع فئة، والبطء الشديد مع فئة أخرى؟ إذا كان الأمر إجراءات إدارية، فلماذا يُنجَز لبعضهم في أيام ويستغرق مع آخرين سنوات؟
حجج واهية
من أبرز ما يشتكي منه الشباب، أن بعضهم يتم استبعاده أو طي ملفه لسنوات بحجج يصفونها بالواهية: “من سبيل إنه ارتكب خطأ سلوكياً في الممرات أثناء التصوير، أو أن سلوكه لم يعجب اللجنة أثناء انتظاره في البهو، بهذه الحجة يُطوى ملفه.”
ويتساءلون بمرارة: هل يُرفض إنسان بناءً على نظرة عابرة في ممر؟ أين معايير التقييم الموضوعية؟ أين حق الدفاع عن النفس؟ ويشدّدون على أنهم لا يقولون إن هذه الحجة موجودة في هذا الشخص أو ذاك، بل يروون ما يتناقله الشباب دون دليل مادي.
لكنهم يسألون: إذا كانت هذه الحجج تُستخدم فعلاً، فلماذا لا تُوثَّق؟ ولماذا لا تُمنح فرصة للرد؟ أما عن ذريعة “الخبرة” التي تُرفع لتفضيل من قضى 15 عاماً في مدارس الحكومة على الشباب، فيقولون: “إذا كان هذا الموظف قد أخذ حقه في وظائف الحكومة السورية لـــ 15 عاماً، فلماذا لا تُمنح الفرصة لشباب لم يأخذوا حقهم بعد؟ أين تجديد الدماء؟”
وهنا تبرز مفارقة أخرى لا تقل غرابة: فمن يعمل في مدارس الأونروا اليوم، والمفروض أن راتبه أعلى من غيره بكثير، نجده يصرّ على العمل في مدارس خاصة إضافة إلى دروسه الخصوصية، وهذا ليس عيباً في ذاته، لكن السؤال: ما دمت تعمل في الأونروا وراتبك مرتفع، فلماذا تصارع للعمل في هذه الوظائف الإضافية؟ ألا يكفي راتب واحد؟ ثم إن هذا المدرس عندما يعمل في أكثر من مكان، فهو يحتكر فرص عمل كانت يمكن أن تكون لغيره من الشباب العاطلين.
فالمدارس الخاصة تقول اليوم: “لا نحتاج مدرسين”، بينما هو يعمل فيها إضافة إلى وظيفته الأساسية، فكيف يمكن له أن يأتي في اليوم التالي إلى مدرسة الأونروا ويمارس عمله بنشاط؟ هذه أيضاً من المآخذ التي يأخذها الشباب على الأونروا.
“إذا درّس صباحاً في الأونروا، ومساءً في مدرسة خاصة، وليلاً دروساً خصوصية فكيف سيعطي وظيفته حقها؟
