
فايز أبو عيد
على مدى أكثر من عقد، عاش آلاف الفلسطينيين في سوريا وعائلاتهم واحدة من أقسى تجارب الانتظار: غياب أب أو ابن أو زوج دون معرفة مصيره، وسط معلومات شحيحة وإنكار رسمي وصعوبة الوصول إلى السجون ومراكز الاحتجاز.
وبالنسبة للفلسطينيين، لم يكن ملف المفقودين منفصلًا عن المأساة السورية، لكنه اكتسب خصوصية إضافية بسبب ارتباط عدد كبير من حالات الاعتقال والاختفاء بفروع الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، وما تعرضت له المخيمات والتجمعات الفلسطينية من حصار وقصف وتهجير واعتقال.
ومع سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024، حدث تحول مهم في هذا الملف. فالسجون ومراكز الاحتجاز أصبحت متاحة، وخرج معتقلون فلسطينيون وسوريون قدم بعضهم شهادات عن أماكن احتجازهم وعن أشخاص التقوا بهم، فيما ظهرت وثائق وسجلات أمنية يمكن أن تساعد في إعادة بناء مصير بعض المعتقلين والمفقودين.
وقد وثقت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا آلاف الحالات، وتشير قاعدة بياناتها إلى توثيق 5107 معتقلين فلسطينيين و303 مفقودين. وهذه الأرقام ليست حصيلة نهائية، وإنما الحالات التي أمكن توثيقها خلال سنوات كان الوصول فيها إلى المعلومات بالغ الصعوبة.
وتكمن أهمية المرحلة الحالية في إمكانية ربط التوثيق الفلسطيني القديم بالمعلومات التي ظهرت بعد سقوط النظام. فقد يساعد تطابق اسم في قاعدة بيانات فلسطينية مع وثيقة أمنية أو شهادة معتقل سابق أو سجل لأحد السجون في إعادة بناء مسار الاعتقال وتحديد مكان الاحتجاز والمصير المحتمل.
لكن ظهور الوثائق والشهادات لا يعني تلقائيًا الوصول إلى الحقيقة. فكل معلومة تحتاج إلى التحقق والمقارنة مع مصادر أخرى، كما أن المواقع التي يُشتبه بأنها مقابر جماعية تحتاج إلى حماية وتحقيق جنائي متخصص، لأن أي عبث بالأدلة قد يعرقل لاحقًا تحديد هويات الضحايا.
ومن التطورات المهمة تأسيس الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا عام 2025، إلى جانب إطلاق برنامج «أثر» عام 2026 لتسجيل بلاغات المفقودين والمختفين قسرًا. كما توفر المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا التابعة للأمم المتحدة مسارًا دوليًا يمكن للعائلات الفلسطينية الاستفادة منه.
وتشكل هذه التطورات فرصة حقيقية، لكنها تفرض في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة، خصوصًا تجاه المفقودين الفلسطينيين. فالمطلوب ألا تذوب الحالات الفلسطينية داخل قاعدة بيانات عامة، وإنما أن يتم دمج التوثيق الفلسطيني في المسار الوطني السوري والدولي، مع الحفاظ على خصوصية كل حالة وحقوق عائلاتها.
في المقابل، برز خطر جديد يتمثل في استغلال حاجة العائلات إلى معرفة الحقيقة. فقد ظهرت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تدعي امتلاك معلومات عن المعتقلين، وأحيانًا تطلب المال مقابلها. وهذا الاستغلال لا يهدد أموال العائلات فقط، بل قد يعرضها لصدمة نفسية جديدة نتيجة معلومات كاذبة أو غير موثقة.
لذلك، فإن عائلات المفقودين تحتاج اليوم إلى أكثر من مجرد معلومات؛ إنها تحتاج إلى جهة موثوقة، وآلية واضحة للتحقق، وحماية لبياناتها، ودعم نفسي وقانوني واجتماعي طوال رحلة البحث عن الحقيقة.
نداء حقوقي
إننا ندعو السلطات السورية والجهات الدولية والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى التعامل مع ملف المفقودين الفلسطينيين باعتباره قضية حقوق إنسان وعدالة وحق أصيل للعائلات في معرفة الحقيقة، والعمل على توحيد قواعد البيانات الفلسطينية والسورية والدولية، وحماية الوثائق والأدلة ومواقع المقابر الجماعية، وضمان عدم العبث بها أو استخدامها لأغراض سياسية أو مالية.
كما ندعو إلى حماية عائلات المفقودين من الابتزاز والاستغلال، وملاحقة كل من يستغل معاناتها أو يبيع لها معلومات غير موثقة، مع توفير قنوات آمنة وشفافة لتقديم البلاغات والحصول على المعلومات.
ونؤكد أن المفقود الفلسطيني ليس رقمًا في قاعدة بيانات، وعائلته ليست مجرد جهة تنتظر خبرًا؛ بل هي صاحبة حق في معرفة ما جرى، ومكان وجوده، ومصيره، والحصول على الحقيقة كاملة.
وبعد سنوات طويلة من الصمت، تقع على عاتق الجهات المعنية اليوم مسؤولية تاريخية: أن تُفتح الملفات، وتُحمى الأدلة، وتُكشف الحقائق، وألا تبقى أي عائلة فلسطينية معلقة بين الأمل والفقدان إلى ما لا نهاية.
