موقع الإعلامي فايز أبو عيد

مع أولى زخات المطر… كيف سيواجه فلسطينيو سوريا الشتاء؟

فايز أبو عيد

مع أولى زخات المطر الغزيرة التي هطلت على مناطق متفرقة من سوريا، عاد السؤال القديم الجديد ليطرق أبواب الجميع: كيف سيواجه الفلسطينيون والسوريون هذا الشتاء؟ فلم يعد الحديث عن المخيمات الفلسطينية وحدها، بل عن مئات العائلات الفلسطينية والسورية النازحة التي وجدت نفسها في بوتقة ومعاناة واحدة، من الشمال إلى الجنوب، ومن الساحل إلى الداخل، تعيش في ظروف بالغة القسوة، بين خيام لا تحمي من ريح عاتية، وبيوت لا تعزل البرودة.

أزمة الطاقة

منذ نحو شهر، تم رفع أسعار المحروقات، وكانت التدفئة في سوريا تعتمد أساساً على المازوت إلا أن المشكلة ليست في رفع السعر بمقدار ما هي في أن الدخول باتت ضعيفة جداً في ظل ارتفاع كبير في الأسعار، فماذا سيفعل الفلسطيني؟ ومن أين سيؤمن التدفئة؟

وإذا كان المازوت بعيد المنال، فإن الكهرباء التي كانت في الماضي تشكل إسعافاً طارئاً، بات الكثيرون يخشون الاقتراب منها مع ارتفاع أسعارها وتضخم فواتيرها، فضلاً عن أنها لا تأتي أصلاً في الشتاء أو تأتي ضعيفة، أما الغاز، فجرة الغاز الواحدة تكلف اليوم 160 ألف ليرة، ولا يمكن للمواطن أن يتحمل تكلفة جرة الغاز للطعام فقط، وإذا أردنا حساب التدفئة والطهي معاً، فإن الأسرة تحتاج ما يقارب ثلاث جرات غاز، لتزيد التكلفة عن مليون ليرة سورية.

وإذا لجأ الناس إلى الحطب، فهم أمام مشكلة أخرى: ارتفاع أسعاره، وعدم تفضيل كثير من العائلات له لأنه سبب للحساسية وأمراض الصدر لدى الأطفال، لذا يجد الفلسطيني نفسه محاصراً بين خيارات كلها مريرة.

انهيار القدرة الشرائية

دخْلُ المواطن اليوم لا يتجاوز 75 ألفاً إلى 100 ألف ليرة سورية، فماذا يستطيع أن يفعل بهذا المبلغ؟ ربطة الخبز اليوم بـ 4,000 ليرة، وفيها ثمانية أرغفة، والعائلة قد تحتاج إلى ثلاث ربطات خبز، ثم تأتي أجور النقل التي أصبحت مرتفعة بحكم ارتفاع أسعار المحروقات، وهذه الضغوط تؤكد أنه ليست الفكرة أنني أستطيع أن أوفر المازوت، ولكن المازوت اليوم مادة تشكل ضغطاً إضافياً على هذه العوائل. فحين يُطرح السؤال: هل نشتري جرة غاز للطعام، أم ندفع أجور النقل أم نؤمن الدواء؟ تصبح الحياة اليومية معركة لا تنتهي.

أم محمد أم لأربعة أطفال تعيش في مخيم اليرموك، ولدينا سؤالنا لها ماذا يعني لك قدوم الشتاء؟ أجابت وهي تطرق رأسها في الأرض لتخفي دمعتها، بالنسبة لي الشتاء لا يعني البرد وحده، بل زيادة كبيرة في المصاريف التي لا ستطيع تغطيتها، ففي فصل الشتاء نضطر إلى المفاضلة بين شراء الطعام وتأمين الوقود للتدفئة، وأحياناً نؤجل شراء الملابس الشتوية أو بعض الاحتياجات الضرورية للأطفال، مردفة نحتاج إلى مساعدات غذائية ونقدية منتظمة، لا إلى مساعدات مؤقتة تنتهي قبل انتهاء فصل الشتاء.

تراجع المساعدات وغياب الإعمار

في ظل توقف مساعدات وكالة الأونروا والمساعدات الدولية، وتقاعس الأمم المتحدة عن تقديم أي عملية إعادة إعمار، نتساءل: ماذا سيفعل هؤلاء الناس؟ لقد وجدنا في فترة الصيف عائلات في مخيمات الشمال السوري تغرق وتستنجد مع أولى الأمطار، فكيف سيكون الحال في الشتاء؟ وكثيراً ما رأينا فترات شتاء باردة شديدة، وأخرى جافة، واليوم يرفع الناس أيديهم إلى الله سبحانه وتعالى يدعونه بالمطر الغزير نتيجة معاناتهم في فترة الصيف من نقص المياه وما استتبعها من ضغوطات شراء المياه، لكنهم في الوقت نفسه يتخوفون من هذا الشتاء القاسي.

فالبيوت تعاني من غياب أبسط مقومات البنية التحتية: لا طينة خارجية تعزل البرودة، ولا بلوك، ولا شبكات صرف صحي حقيقية، والأوحال ستشكل عائقاً كبيراً في التنقل وتتعطل كثير من الأعمال، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً من الدولة والمنظمات الدولية.

فادي أحد أبناء مخيم الحسينية يقول بحسرة وصوت فيه الكثير من الوجع: منزلي متهالك وسقفه يدلف كل عام، اليوم بت نحن أخشى هطول الأمطار، لأن المياه تتسرّب إلى المنزل وتحوّل الأرض إلى أوحال، فيما نعجز عن إصلاح السقف أو ترميم النوافذ بسبب ضيق الحال، نحاول حماية الأثاث والفراش بما يتوفر لدينا، لكن ذلك لا يكفي، كل ما نريده مسكن يحفظ كرامتنا، ومساعدة تمكننا من إصلاح الأضرار قبل اشتداد الشتاء.

بدائل قاسية

تواصلت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا مع عدد من العائلات الفلسطينية بعد أول مطر في مناطق متفرقة من سوريا، فكانت الشهادات تكشف حجم المعاناة.

الشاب محمود خليل من أبناء تجمع جلين بدرعا، أكد أنه نتيجة ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز، سيعتمد على الحطب، حيث قام في موسم الصيف بجمعه من الأرض التي يملكها ومن أراضي الجيران، ليشكل هذا المخزون ما يفيده في التدفئة والأعمال المنزلية إذا تأخرت أسعار الغاز أو فقدت.

فيما أشار أحمد الأحمد من سكان قرية البصالي في ريف القنيطرة الجنوبي، أنهم يعتمدون على “الجلة” (روث الأبقار المجفف)، خاصة أن مناطقهم لا تحوي كثيراً من الحطب، فهم يعتمدون على تربية الحيوانات بشكل كبير، ويضعون الأفران التي يخبزون عليها وسط هذه الجلة، ويعتبرون الغاز فاتورة احتياطية فقط.

أما ياسر عيسى (64 عاماً)، يقطن في تجمع المزيريب غربي درعا، فهو يستذكر في الماضي، أنهم وصلوا في فترات إلى درجة وضع الكراتين والأحذية القديمة واستعمال (تِفْل الزيتون) البقايا الصلبة التي تبقى بعد عصر ثمار الزيتون والذي تحوله المعاصر لمكعبات، وكل ذلك في سبيل تأمين التدفئة، وهذه الشهادة وحدها تكفي لتلخيص حجم المأساة، وهو اليوم يتخوف من هذا الشتاء المقبل .

وفي مخيم درعا، أكد محمد مطلق أن الكهرباء اليوم جيدة نسبياً لكن لا يمكن ضمان استمرارها، خاصة أن شبكة المخيم ليست شبكة حقيقية، وأشار إلى أن ظروف المخيم في حاجة ماسة إلى مساعدات الأمم المتحدة، فالأوحال ستشكل عائقاً كبيراً في التنقل وتتعطل كثير من الأعمال، وفرص العمل قليلة ولاسيما في الشتاء وهذا ما يزيد من معاناة الفلسطيني فغالبية أبناء المخيم من أصحاب المهن الحرة، وهذه المهن تتضاءل الحاجة إليها في هذه الفترات.

شتاء ينتظر الرحمة

يتخوف الكثيرون من هذا الشتاء القاسي، إذ يريد الناس أن يجلسوا في بيوتهم أمام “الصوبيا” يتدفئون ويأكلون الذرة والفول والكستناء، أن يعيشوا الحياة التي فقدوها منذ 15 أو 16 عاماً، وعندما سقط النظام، فرحوا وحسبوا أن حياتهم ستعود إلى سابق عهدها، هم يريدون أن يحسوا بالدفء الداخلي بينهم، فلا يكفي ذلك البرد الذي عاشوه طويلاً، وهم لا يريدون أن يروا هذه الأشياء على التلفاز، بل يريدون أن يعيشوها مرة أخرى.

لذا لابد للأونروا أن تقوم بواجبها الإغاثي الإنساني في مواجهة الشتاء.

كما لابد أن تقوم الدولة اليوم بتقديم دعم للمواطنين، ولو بمبلغ أو كمية من المازوت بسعر مخفض لمواجهة الشتاء، فلا يمكن أن نترك هؤلاء وحدهم في مواجهة برد قارس وبيوت لا تحمي من الريح.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *